ضاع كل شيء..
بعينين شاخصتين تنظر إلى أفق مفقود لم يتبقى منه إلا نصف وجه أمها
الباكي خلف كتف أخيها سمّرت قدميها على الأرض ووقفت بثبات كي تتأكد أنها لن تهرب من
يده ولن تفوت عليها صفعة من صفعاته القوية المتتالية على وجهها المتألم..والتي
انهمرت كالأمطار الغزيرة لتهز أركان جسدها المستسلم بصمت تخنقه شحنة كبيرة من
العبرات لا تريد أن تنفجر الآن حتى يستوفي العقاب محله..في سرها تمنت أن لا يتوقف
أرادته أن يقتلع كل جذور الغباء التي نمت صدفة ودون سابق إنذار حينما عرفت حبيبها
بل قاتلها في ليلة بريئة لم تسعى لها..صدفة قادتها الأقدار ووضعته أمامها فارساً
امتطى أحلامها الجامحة بعبقرية وفن حتى كسر حاجز الغرور ودمر آخر معاقل الأنا في
داخلها..
أرادته أن يُطهر ذلك الإثم الذي دنس أحلام الحب الوردية.. أن يجتث صوته من أذنيها..فهو ما زال يمارس ألاعيبه وهو يهمس بكلماته العذبة في أذنيها برغم الصراخ والبكاء من حولها..ولكنها لم تكن مع أحد بل كانت معه وحده..سارحة في ماضٍ لم ينتهي حتى الآن لأنه ما زال يعيش في قلبها ..
هي: تحبني..؟
هو: أحبكِ..
هي: بس..
هو: غمضي عيونك..وش تشوفين ..؟!!
همست ..
هي: ما أشوف إلا سوااااااد ..
هو : شفتي هالظلام هي حياتي بدونكِ
هي : آآآه ما أعذب كلامك
هو: وآآآه ما أشهى قُبلكِ..
ضحكت.
هي: ولكنك ما ذقتها لا تكذب ..؟!!
هو: استطعمت كل جزء فيكِ بقلبي..وهذا يكفيني..
هي: ما قلت لك قبل كذا أنك مجنون
همس..
هو: أنا مجنون بكِ..
هي: آآه أخاف كل هذي السعادة من حولي..!
هو: ليش حبيبتي..؟
هي: أخاف أن أفقدك..
هو: ما بيبعدني عنكِ غير الموت
هي: لا تقول هالكلام أرجوك ..
هو: تخافين علي..؟!!
هي: أكيد أخاف عليك ..أنت حبيبي
صمت قليلاً..
هو: حبيبتي..
تخافين مني..؟!!
هي : مستحيل ..
هو: ليش..؟!!
هي: سؤالك أحسه غبي..أنا ساكنة قلبك..
هو: بس
هي: و .. مممم
لأنك تتنفسني..
هو: بس
هي: ولأني أتنفسك..
ممم وش فيك ساكت..
هو: ما أجملني بكِ..
هي: أنت جميل في كل شيء قبلي وبعدي
هو: لا .. أنا ما كنت يوماً جميلاً إلا بكِ
هي: وأنا لم أكن أميرة في يومٍ إلا معك..
هو: أحبكِ يالطفلة المجنونة..
هي: احلف لي انك تحبني ..
ضحك..
هو: تبين تسمعينها ثاني مرة
هي: لا أبي أسمعها ملايين المرات.. أبي أنفيها و أصدقها عشان أحس في كل مرة بطعم حبك من جديد..
هو: طيب اسمعي ..
هو: أحبكِ .. أحبكِ .. أحبكِ.. أحبكِ..أحبكِ..
أخذت تدور هذه الكلمة وتدور حولها كطيور جارحة تريد أن تنقض على آخر ما تبقى من روحها المجروحة.. وهي لا ترى إلا وجهه المزيف أمام عينيها..ولا تشعر بشيء سوى طعم الألم الذي أرادته أن يقتص منها بأي شكل.. حتى فقدت أعصابها ونطقت أخيراً..
كذاب .. كذاب .. كذاب
انقض عليها أخيها صارخاً وهو يجر شعرها الطويلً:
أنا كذاب يااا الحقيرة وهالشرايط من وين جاااات..؟
بكت وبكت .. وهي تردد في نفسها
مو انت .. هوو
فصلت والدتها بينهما وحلفت عليه أن يكف عنها، دفعها بعنف حتى ارتطمت بمنضدة الزينة .. ثم خرج ووالدتها تتبعه محاولة تهدئته .. وتركاها تقف بين نفسها ونفسها.. وهي تنظر إلى حالها أمام المرآة .. نظرت بعمق إلى كل جزء دامِ من وجهها إلى شعرها المتناثر بفوضى حول جراحها.. وإلى كل تلك الدموع المنهمرة بغزارة .. فجأة عاد صوته من جديد ليظهر ويقف أمام جراحها التي تريد أن تنزف وتستريح ..
هي : من فترة وانت متغير..!!
هو : كنت أبيكِ تفهمين
هي: أفهم شنو
هو: اني زهقت منك
هي : زهقت كذا ببساطة
هو: أي ببساطة زهقت
هي: تبيعني
هو : أبيك لأنك بعتي نفسك من زمان
هي : بس أنا حبيتك
هو : وإذا حبيتيني غيرك كثير حبني
هي : بس أنا غير أنا حبيبتك
هو: كنتِ
هي: كنت..
مررت أصابعها على شفتيها المتورمتين والدماء سائلة منه..وهي تشعر أن قواها بدأت تنهار.. عاد من جديد صوته لينهي آخر ما تبقى من قوتها..
هي: خنتني
هو: ما وفيت لك عشان أخونك
هي : كيف ما عرفت من قبل
هو: لأنك كنتِ عميا
هي: ايه كنت عميه فيك..
أخذت تضرب نفسها وتوجه الصفعات إلى وجهها باكية وهي تردد
كنت عميه .. عميه ..عميه
ولكنها لم تشعر بأن صفعاتها ستشفي جراحها النازفة وستنقي صفحتها السوداء .. هرعت بسرعة إلى الباب كي تدعو أخيها ليقتلها فما فائدة الحياة بعد أن خسرت قلبها وكرامتها وأهلها .. ولكنها ارتطمت بقسوة الباب المغلق عليها من الخارج ..