امرأة تحت الظلام..


أغمضت عينيها وهي تفكر في ذلك العشق الذي يربطها بسواد الليل ومدى سعادتها تحت جناحيه،فقد كانت تحبه بطريقة غريبة كثيراً ما كانت تثير استغراب وتساؤلات الآخرين وحتى سخريتهم ولكنها رغم ذلك لم تهتم لأن أكثر ما كان يهمها أن تغرق في ذلك السواد الحالك وأن تذوب في سكونه وصمته الساحر الذي يلفها ويفصلها عن العالم الحقيقي من حولها..ففي غياب الشمس لذة تغلب جبروت الحياة وتخضع الجميع للاستسلام لجنونها وهدوئها دون مقاومة ومهما بلغت المكابرة .. فظلام الليل سبيلها الوحيد للهروب من كل العيون التي لا تحبها والتي تكره مراقبتها وملاحقتها لها بفضول كريه..ولكن في هذه الليلة بالذات أبى القمر إلا أن يعبث في سكينتها ليحرك ذلك الهدوء الذي تعشقه والذي يغلف أحزانها في صمت غريب.. فبعث عبر النافذة التي يختبئ خلفها متلصصاً خيوطاً بيضاء ارتسمت في صمت ساحر على كل بقعة استطاعت الوصول إليها..ورغم ذلك السحر والجمال الذي احتوى كل شيء حولها لم يفلح في تجميل صورة ذلك البارد الذي ينام بجانبها وكأنه جثة هامدة بلا روح أو إحساس..ظلت تنظر إليه بعينين حاربهما النوم في صمت يكبله الخوف والحزن محاولة أن ترسم صورة أخرى على تقاسيم وجهه..صورة لفارس آخر لم تعرفه إلا في خيالها،حاولت وحاولت جاهده أن تعيد بناء حلم مات لحظة ارتباطها به..ولكن لا فائدة ..هو قدرها وعليها أن ترضى به وأن لا تفكر بشيء آخر كما قالت لها والدتها ذات يوم مشئوم عندما قرر والداها زجها بين براثن هذا الرجل الذي لا يشبهها في أي شيء..أطلقت تنهيدة صغيرة وأغمضت عينيها في عناد لذلك الضوء الذي يعري لها الواقع ويكشف لها الحقيقة القاسية..ولكنه كعادته لن يدعها تنعم بأي راحة في وجوده،فقد ظهر بقوة في خيالها ليزاحمها حتى في لحظات الهروب الصغيرة..ظهر ليفجر نبضات قلبها بعنف لم تفهم سره في هذه الليلة..ولكنها لم تشأ أن تستسلم لوجوده كما فعلت في واقعها وبقلق حاولت أن تضبط أنفاسها المتلاحقة في توتر كي لا توقظ جنونه المسعور ..ولكن حتى أنفاسها بدأت تخونها معه وتلتقي بأنفاسه رغماً عنها .. رددت وهي تعرف أنها لا تكره شيئاً أكثر من رائحته :
آآآآه كم أكره رائحة أنفاسك التي تخنقني..
وبأنامل مرتعشة لامست رقبتها لتتحسس ذلك الاختناق الذي يطبق على روحها ومشاعرها في هذه الليلة..غرفة وسقف.. ظلام ويأس..وزوج بلا روح .. قمر بارد واكتئاب ثقيل .. تكاتفوا جميعاً ليثيروا الألم و الاشمئزاز في نفسها ومشاعر أخرى تتضخم مع كل ثانية يزحف بها الليل ..
أدارت جسدها النحيل عنه بحذر وهي ترتعش خوفاً من أن يمد يده لها ويجرها إلى ما تكره في لحظة غدر اعتادتها منه .. لحظة اعتاد أن يطلق فيها العنان لهمجيته ووحشيته كي تقتل بقايا أي أمل ممكن قد يجعلها تقتنع يوماً بأنها تستطيع إكمال حياتها معه.. لحظة اعتاد أن ينتزع فيها روحها بكل قسوة ليمرغها في كره لا يطهر أبداً.. همست لقلبها بعد شعورها بالارتياح :
الحمد لله..مازال نائماً مخدراً بعد أن التهم عشائه بقرف ووحشية..تنفست بعمق وهي تستجدي الهواء أن لا يخذلها أيضاً وترجته أن يتغلغل بقوة في رئتيها وهي تحاول أن تسطير على تلك الرعشات التي سرت في جسدها بلا توقف، وبصمت مخنوق دعت الله أن لا يستيقظ الآن..بل أن لا يستيقظ أبداً.. سألت نفسها بعد أن استقرت في مكانها وبعد أن بدأ ضميرها في إطلاق إنذاراته .. هل فعلاً تتمنى له الموت..؟!! الموت..الموت.. رددت هذه الكلمة في عقلها كثيراً..وهي تفكر هل فعلاً يستحق أن يموت ..؟!! : في كل مرة كانت تخونها مشاعرها كلما حاولت أن تجد الإجابة.. لأن الموت بيد الله وهو وحده سبحانه وتعالى من يحدده ..
شعرت براحة أكثر بعد استطاعت أن تتحكم في تلك الرعشة التي سرت في أجزاء جسدها كدبيب النمل على الأرض الجرداء .. ومع هذا الصمت الذي يطبق على المكان لم تستطع منع دموعها من السيلان في لحظة ضعف.. كانت تريد الخلاص منه بأي طريقة حتى ولو أن يموت أو تموت هي،و في كل مرة تفكر بأن الموت هو الحل الوحيد كانت تبكي لأنها لا تستطيع أن تقتله أو حتى أن تراه ميتاً..فالبكاء وسيلة العاجز الضعيف ،وهي ضعيفة أمامه وأمام نفسها.. دست يدها تحت وسادتها تتحسس دفترها الصغير لتجره في هدوء وفتحته بعد أن مسحت آخر دمعة غزيرة واكتفت بالتنهيدات التي تعبئ صدرها، قلبت صفحاته ورقة ورقة.. داعبت سطوره برقة، فهذا الدفتر حمل كل أحلامها قبل أن تغتال .. قرأت
(اليوم أنهيت الثانوية.. وأخيراً سألتحق بالجامعة) قفزت إلى سطر آخر بعيد (اليوم تقدم خالد ابن خالي إلى أبي وأخيراً سنتزوج) خالد .. انحدرت دموعها من جديد لحظة قراءة اسمه فلقد تركها وتخلى عنها في أول موجة عاصفة ورحل ليكمل دراسته في الخارج .. رحل ليكمل ذلك الحلم الكبير الذي بنيا حجرات قصره منذ الطفولة معاً ولكنه لم يكتمل إذ توقف وانهار فجأة بلا مقدمات..
وها هي اليوم بلا أمل بلا حلم بلا حب .. فقيرة تقف على أعتاب الحياة ممزقة الملامح تعيش مع رجل لا يشبه ظل الرجال ، رجل منزوع الإنسانية اعتبرها منذ أن دخلت منزله أسيرة لأهوائه وشهواته وطلباته.. ورغم ذلك حاولت أن تحبه أو على الأقل أن تجد فيه شيئاً قد يدفعها لحبه.. ولكن لا شيء فهو لا يشعر بها ولا يهتم لأتفه همومها بل ولا يتذكرها إلا عند رغباته فقط..

ضمت دفتر ملاحظاتها إلى صدرها وأطلقت العنان لأحزانها ودموعها لأنها كانت تعرف أن الشمس ستشرق لا محالة وستقشع معها هذا الظلام وهذه الذكريات وستعود لمواجهته من جديد.. ولكن لا .. لن ترضخ هذا ما فكرت به بعد أن استنزفت كل مشاعرها في هذه الليلة .. وبأناملها المرتعشة وأفكارها المشوشة مدت يدها لتخرج سلاحها شفرة صغيرة وناعمة تركتها تحت المفرش الصغير على الطاولة التي بجانبها ليسقط دفترها الصغير من بين أحضانها ويتهاوى إلى الأرض ولكنها لم تهتم لأن النهاية تراءت لها على الجانب الآخر فقد كانت قريبة جداً منها وما كان عليها إلا أن تخطو خطوتها الأولى إليها.. مدت ذراعها وهي ترى نبضات قلبها تصرخ والدماء مستنفرة في عروقها وكأنها ترفض ذلك الجنون الذي اقتحم سكونها و ضعفها و رغم تلك الرعشات القوية التي زلزلت محاولاتها لضبط الشفرة على باطن معصمها إلا أنها نجحت في جرحه، شعرت بلذة غريبة أنستها خوفها من الألم وفجأة وقبل أن تكمل انتحارها شعرت بقبضته على ذراعها انتفضت مرعوبة وسقطت الشفرة من يدها المجروحة التي بدأت تنزف وجرها إليه ببرود وبلاهة دون أن ينتبه لفعلتها أو إلى توترها ورجفاتها ولا إلى رائحة الموت التي كانت تشع من جسدها المستسلم ولا إلى يدها النازفة و الملقاة باستسلام على جانبها وبدأ يمارس همجيته .. نظرت من خلفه إلى الساعة المعلقة على الجدار وهي تفكر أنها ستعود لتحسب من جديد الضائع من عمرها معه..فجأة هزها بعنف صارخاً في وجهها االواجم..


ما بالك جثة هامدة هل أنتِ ميتة..

همست : نعم أنا ميتة
                                                                                                 رجوع