|
|
البرامج الشعرية وأمراض العصر
على أنفاس أمجاد الشعر و انتشار حمى الاستشعار في الساحة الشعبية تفشى الكثير من البرامج الشعرية المحملة بالفيروسات المعدية بين القنوات الفضائية..ولكن مع تميز كل برنامج شعري فيها بمرض خاص و مختلف يتلاعب بصحة الشعر وهيبته..ويهدد سلامة تاريخ ضيوفه الشعراء بنقطة سوداء،إلى جانب إصابة متابعيه بنوع من الخمول والملل الوقتي،ورغم الاختلافات الشكلية إلا أنها تشترك في الكثير من العلل (المسوقة)،والتي من أبرزها استغلال العنصر النسائي للترويج بحيث يضفي وجودهن على تلك البرامج وغيرها نكهة خاصة محملة بغنج الصوت ودلال العيون،إذ تتفنن كل مذيعة في سحرها وأسلوبها الخاص و(الحصري) لبرنامجها، فمنهن من تأخذك من حماس المتابعة في إغماضة عينيها الناعستين والمثقلتين (بطبقات الماكياج) لعدة ثوان وبابتسامتها المصطنعة لثوانٍ أخرى، ومن ثم تخطفك في رومانسية الحركة التصويرية البطيئة لتساعدك أكثر على التمعن في طول قامتها ومدى هيامها بجمال ماكياجها و الطبيعة ،ورغم هذا الجمال الناطق المتحرك إلا أنها باردة الأداء مقيدة الفكر فهي لا تستطيع الخروج عن محيط الورقة واستفهامات الأسئلة الموضوعة لها،فهي لا تحاور ولا تناور، ترسل سؤالها من الورقة مباشرة إلى ضيفها بابتسامة غير مفهومة وتستلم الإجابة بابتسامة أخرى ممزوجة بالبرود والسذاجة، ومنهن من خرجت عن القاعدة الأنثوية رغم محاولتها الثبات عليها واتخذت أسلوب العداء سلماً للوصول إلى النجاح ومهرباً من الاندثار،فهي تتحدث ولا تسكت وتسأل وتجيب وتقطع ما تشاء لتوصل ما تشاء،وتباغت ضيوفها بأسئلة تصدمهم ولا تقنعهم وأحياناً تؤلمهم،وتظل ترمي سهامها حتى تصيب ضيفها وأحياناً ترتد عليها فتقتلها قهراً لأنها لم تكن الإجابة التي ترضيها والتي كانت تبحث عنها،فتهز كتفيها استغراباً وترفع يديها استهزاءً وتزم شفتيها حسرة على الساحة الشعبية ومن فيها وبعد أن تنتهي جولتها وتُسقط أحد ضيفيها طريحاً تقضي على ما تبقى له من كرامة بابتسامة منتصرة ووردة مسمومة تدسها في يده ليقبل بالنهاية المدروسة التي رسمتها مع المعد.وأخرى لا تختلف عن سابقتها في اتباع نفس النهج ولكن مع الاهتمام أكثر بعرض الأزياء وإظهار ما تستطيع إظهاره من مفاتنها تحت عين الرقيب ورضاه ليركز المتابع أكثر على لحمها (الأبيض المتوسط) بدل أن يدقق كثيراً في بداوتها المكسرة وخلجنتها المصطنعة.وأخرى لها من النجاح تاريخ جيد ومن محبة الناس رصيد كبير ومن احترام الضيوف شيءٌ كثير،ولكنها للأسف تركت كل ما وصلت إليه لتغرق في برنامج واحد فقط، فهي تهوى كثرة الكلام وتكراره وتستخدم من اللوازم الحرفية ما يفقد المتابع تركيزه وعندما يصدح ضيفها بقصيدة له تركز بعينيها لحظة معه ولحظة تهيم في مكان بعيد عن القصيدة وعن الشعر تماماً،والأسوأ أن برنامجها كشف بساطة ثقافتها الشعرية وجهلها لمكانتها الإعلامية.
و لعل اللافت للنظر أكثر هو ظاهرة توجه الشاعرات إلى العمل كمذيعات في هذه البرامج بعد أن فشلن شعرياً فهن لم يجدن ما يشبع طموحهن وما يلملم بقايا ماء الوجه المحترق إعلامياً فتوجهن لتعويض الفشل إلى العمل في نفس المجال، و ربما يعود ذلك أيضاً إلى اعتقاد معديها أن الشاعرة أقدر من غيرها على فهم نوعية تلك البرامج وفهم نفسية شعرائها،و الواقع و الحقيقة أن أحد ضيوفهن لو(كسر) في بيت واحد لم تدرك ذلك بل صفقت له إعجاباً وتشجيعاً،فهن ولو كنَّ يحملن مسمى شاعرات يجهلن أو كي لا نظلمهن لا يلممن تماماً ببحور الشعر وقوافيه.ولنخرج قليلاً من المذيعات إلى أصحاب الأقلام والتخطيط إلى بعض المعدين الذين يستخدمون نفس الأسلوب والطريقة دون جديد، فالأسئلة والضيوف مكررون وطريقة الطرح مصاغة و مدبرة واستفزازية، إلى جانب تجميعهم لأقاربهم وأصحابهم وغيرهم وأحياناً (بحب الخشوم) للمداخلة على برامجهم لسؤال الضيف أو استفزازه أو مدحه،و الجديد هو الترويج و الدعاية لبعض المطبوعات وبعض (المواقع الإلكترونية) التي تربط المعد أو (شلته) فيها.
وأخيراً وليس آخراً..
ما يثبت فشل تلك البرامج ومذيعاتها ومعديها أنها لم تستمر و ما بقي منها لن يستمر لأنها قصيرة العمر رغم ما فيها من مغريات واستمرار البرامج القوية
(كبحور القوافي) و(مشاعر حالمة)،( ديوانية شعراء النبط )، و البرنامج الإذاعي (أثير القصايد) والذي مازال حتى الآن مستمراً وقوياً وبعد مرور عشر سنوات على انطلاقته كذلك برنامج سهرة خاصة الذي لا زال أيضاً بذات القوة التي بدأها.
ما السبب؟!!
أن هؤلاء العمالقة نجحوا دون أن يبهروا برامجهم بلمسات أنثوية (فارغة) ومغريات دعائية،ولم ينجروا خلف ابتذال الفضائيات وقدموا التنازلات..هم صنعوا برامجهم لخدمة الشعر وليس لخدمتهم لذلك تفوقوا بالصدق ونجحوا بالبساطة واستمروا بالأصالة..إذاً الفارق واضح.. والهدف مفهوم..
( واللبيب بالقصيد يفهم)