مجلة بروق - شمس الفصول          النصب الإعلامي المشروع

 

 

 

النصب الإعلامي المشروع

 

 منذ أن اكتشف الإنسان الحروف نما معه حب التدوين والاطلاع،وعلى مر السنين ترك لنا المثقفون والعلماء والأدباء أطناناً من الثقافات والقراءات المختلفة،والمثقف العربي بالذات لا يزال يحلم حتى الآن بأن تجتاح الثقافة والمعرفة وحب القراءة جميع البيوت العربية وأن يدرك الإنسان العربي البسيط مدى أهميتها وبالأخص الآن ونحن في زمن الاختصارات الذي قلصت مسافاته الفضائيات والإلكترونيات ودخل الإنسان عامة والعربي خاصة عبرها في متاهات ثقافية نصفها سليم ونصفها الآخر عليل سواء أراد ذلك أم لا، لأنها اقتحمت حياته بسهولة باسم التطور وأصبحت تلازم حواسه وأفكاره إجبارياً عبر شاشات التلفزيون،ومع هذا الاقتحام الإعلامي انتعشت في جانب آخر المطبوعات بمختلف أنواعها وازداد عددها كثيراً لأن الاختصار الفضائي كشف العالم أجمع على بعضه، فتصارع المؤيدون والمعارضون على صفحات المطبوعات من خلال المناقشات والانتقادات و و و...الخ،لتكثر الأخطاء والعيوب وتستمر في لغط طويل لا ينتهي، وفي النهاية تبقى (التجارة) هي الرابحة الوحيدة لأنها استغلت كل ذلك الجنون الفضائي والتكنولوجي في صالحها وصالح أصحابها، لندخل عبر بوابة الثقافة في مسلسل طويل لأولئك تحت اسم (النصب الإعلامي المشروع) والذي يعود سر نجاحه إلى المبادئ الرخيصة التي ترتكز عليها أعمدة الأساس لانطلاقة مشاريعه،وهذا الكلام هو بداية مبسطة لما أود الحديث عنه،حيث سأترك الفضاء وعالمه وأتحدث عن الجزء الآخر من المسلسل، وهو ( المطبوعات) التي بدأت معي أنا شخصياً متابعة حلقاتها الطويلة والتي،والله أعلم، ستصبح أطول من تاريخ المسلسلات المكسيكية،عندما كنت في أحد المحلات التجارية وهممت بشراء بعض المجلات التي كنت أتابعها باستمرار و عندما كنت أبحث في صف طويل من المجلات،شدت انتباهي واحدة ثم أخرى وثالثة بعناوينها الكثيرة والمثيرة واللافتة للانتباه،وطبعاً (حالي حال أي قارئ) اشتريتها وغيرها من المجلات دون تفكير طويل لأنه كان في ظني أنني سأجد فيها المتعة و العجائب..وكان العكس تماماً حيث لا موضوع ولا (يحزنون)،قلبت صفحاتها كثيراً وأعدت قراءة مواضيع المانشيتات ولم أجد ذلك الموضوع المهم والكبير الذي يشبه حجم العنوان العريض المكتوب على واجهة المجلة الموقرة،وكان من الطبيعي أن يداخلني بعض من  الغضب لأني شعرت بالخديعة وأعلنت من وقتها المقاطعة لتلك المجلة لتصطف على اللائحة الطويلة التي عندي..فقبلها وضعت اسم مجلة أخرى معروفة في تقصي الأخبار والحوادث حين اكتشفت ولثلاثة أعداد متتالية أنها تضع قصصاً وحوادث قديمة نشرت في أعداد سابقة..فقررت استغفال متابعيها ظناً منها أنهم سذج وسريعو النسيان..وهناك الأسوأ عندما قامت مجلة أخرى بفبركة الصور ودمجها كدليل قاطع على صحة الخبر المتصدر لغلاف تلك المجلة وبعد أن جلبها القارئ المسكين إلى البيت اكتشف أنها كانت كذبة إبريل..و..و..وغيرها من حلقات النصب والاحتيال الطويلة..ويالطول هذا المسلسل..

ولكن دعونا نتوقف هنا ونناقش الموضوع بطريقة أعمق قليلاً..بدايةً..نرى في الآونة الأخيرة تكاثر المطبوعات بطريقة سريعة فأغلبها تكاثرت عن طريق الاستنساخ الأعمى..لأن التقليد هو المبدأ الذي قامت عليه تلك المطبوعات،وأصبح عددها أكثر من الهم على القلب،فما إن تنجح مطبوعة وتتفرد بتميزها في الإنتاج من حيث القيمة والنوعية حتى تتكاثر خلفها مطبوعات أخرى شبيهةً لها،تسير خلفها وهي متعلقة بذيل نجاحها طبعاً مع فارق المبدأ الذي لا تحكمه دراسة أو خطة أو هدف أو قيمة سوى حلم الربح، فتنشأ تلك المطبوعة ركيكة مبتذلة ومكررة وسرعان ماتختفي مثلما ظهرت و تسقط وهي محملة بالديون وأكوام من العائدات،ورغم انتحار البعض منها فشلاً إلا أن البعض مازال حتى الآن متشبثاً بأطراف نجاح الغير بمثابرة وجهد وسعي حثيث وراء الكسب والجاه الاجتماعي،واجتهادهم هذا مبني على خطة مدروسة من عمليات النصب والاحتيال ابتداءً من سرقة الصور الحصرية التي تدفع بعض المطبوعات فيها مبالغ كبيرة قد لا يستحقها أصحاب الصور أنفسهم حتى (تلطشها) المطبوعات المستنسخة،إلى سرقة الصحفيين والمراسلين الجيدين من المطبوعات الناجحة بإغرائهم بالمال والوعود الكاذبة،وطبعاً لن أنسى (المكتتبين والمكتتبات) الذين ظهروا مع موجة الاستنساخ وشغلوا أماكن من المفترض أن تكون للصحفيين الحقيقيين والهواة الموهوبين والمحبين لصاحبة الجلالة..فاندسوا ونافسوا بقوة وإصرار وتفننوا بإبداع المواضيع الهزيلة صاحبة المانشيتات العريضة و تخصصوا في الخبطات الصحفية التي 90% منها مغلوطة ومفبركة فقط من أجل الوصول والتربع على عرش السطور،وما يثير الألم أنهم الآن معروفون ومشهورون، ومن هؤلاء وكل تلك الأسباب إلى رؤساء التحرير المبجلين أصحاب (البزنز) الإعلامي وبالأخص المقروء منه،فالأغلبية منهم أصحاب مشاريع يبحثون عن الربح بمختلف الوسائل دون قيم إعلامية حقيقية، ومبدؤهم (الغاية تبرر الوسيلة)،فيملأون مطبوعاتهم بالغث والسمين من المواضيع والأخبار التي لا تفيد القارئ بشيء ولا يصيبه منها إلا الصداع والملل،وتراهم يصرون على صف العناوين العملاقة و الصغيرة صفاً على أغلفة مجلاتهم حتى تكاد الصفحة تختنق وتأتي النهاية والنتيجة الحتمية وتموت عند القارئ،الذي هو الهدف وهو الضحية وهو المخدوع وهو صاحب القرار في اقتناء تلك المطبوعات أو تركها تجف على رفوف المكتبات والمحلات التجارية.

 

وفي النهاية لن أقول سوى جملة واحدة وأظنها ستكون مفهومة للجميع:

( المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين).

                                                                                      رجوع