|
|
المسلسلات الخليجية
غزارة في الإنتاج وإفلاس في القيمة والفكر
منذ فترة ليست بالبعيدة كانت الحركة التمثيلية في الخليج تشتكي افتقارها إلى الكُتّاب وقلة الدعم المادي والمعنوي واليوم وبعد أن انفجرت شهية القنوات الفضائية للكسب وُجِدت المادة وأُخُترِعَ الكُتّاب فامتلأت شاشات الفضائيات بكمية كبيرة من المسلسلات الخليجية والتي ظهرت خلال السنتين الأخيرتين بقوة وبالأخص خلال شهر رمضان الكريم لتخلق حركة جديدة في الحركة الفنية الخليجية ونوعاً من التنافس انعكس سلباً على حقيقة وواقع المجتمعات الخليجية والتي لن ندعي ملائكيتها ولن نقف في موقف المدافع عنها ولكن أيضاً لن نسمح بتشويه واقعها بهذه الطريقة السلبية و المبتذلة والتي تطرح وتعالج مشاكل أقرب إلى مشاكل المجتمع المكسيكي والهندي ولكن بنكهة خليجية قد تتصل في بعضها مع الواقع ولكنها تبعد من الجهة الأخرى إذ يغلب خيال الكاتب على الحقيقة وتدخل الأفكار المشوقة التي تنجح في كثير من الأحيان في جذب اهتمام المشاهد العربي الذي تحركه العواطف بقوة وتجعله في حالة تأجج عاطفي ونفسي حتى تأتي النهاية التي اعتاد عليها دوماً وينتهي الشر و (يلتم) الشمل،وكي لا نهضم حق أحداً هناك العديد من المسلسلات نجحت في طرحها وطريقة علاجها رغم النهاية الحتمية وبرأيي سبب نجاحها التوازن العقلاني في كل شي وأهمها السيناريو الذي ارتقى بعقول الناس بدل أن يستخف بها من خلال الحوارات الهادئة والتي تسرب من بين تبادلها بعض الأفكار و التعابير التي تساهم في طرح التوعية بطريقة جاذبة..ولكن للأسف هذه النوعية من المسلسلات قليلة وتعود لاسم أو اسمين فقط بينما الأكثرية الآن غرقت في موجة جديدة عنوانها (الجرأة وقلة الأدب) ..نحن نعرف أن مجتمعاتنا تزخر بآلاف المشاكل وملايين الهموم التي نعرفها جيداً والتي نتظاهر بعدم معرفتها كي ندعي المثالية ولكن هل هذه المشاكل هي العنوان الرئيسي لواجهة بلد كامل لماذا أصبحت تصرّ هذه المسلسلات على استخدام سلبيات المجتمع بطريقة سلبية تسيء أكثر من أنها تصلح وتعالج ولن أذهب بعيداً أنظروا إلى صورة المرأة الخليجية التي أخذت كذا صورة لا تتغير مع تطورات جديدة طبعاً إما سخيفة وتافهة وسوقية وإما فقيرة و ممحوقة وإما غنية متخلفة وشريرة والآن والجديد (قليلة أدب) تشرب وتعاشر وتلبس العاري علناً والأسوأ التركيز على الشكل أكثر من الدور والأداء الذي عليك الآن أن تحسب كم عملية تجميل في وجه كل واحدة .. ولم يعد يعلم المشاهد على ماذا يركز أكثر على الموضوع التافه أو على الحوار المزعج الذي يرفع شعار ( من يصرخ أكثر) ومن يشتم أفضل أو على المآسي العجيبة أو على الفجور والابتذال والرقص ومن يهز أكثر أو على التهريج والسخف أو على حزنه الحقيقي في واقعه وهمومه الكبيرة والتي لن يجد لها حلول لذا يكتفي بمسكنات تهدئ وتشغل باله ولا أفضل من هذه المسلسلات التي أصبحت لا تحترم عرفاً ولا ديناً ولا خلقاً ولا حتى ضميراً قد يجعلها تفكر أن هناك طفلاً أو مراهقاً يلقط ثقافته وتربيته من خلالها .
و السؤال الذي يطرح نفسه في كل مسلسل يطمر حقيقة المجتمع الخليجي هل نحن مفلسون فكرياً إلى درجة أننا لم نعد نميز بين الواقع والخيال..؟!! وهل نحن مفلسون أخلاقياً لدرجة أننا أصبحنا نتابع مسلسلات هزيلة معنوياً وأخلاقياً تسيء لنا ونحن نبتسم ..؟! لماذا نحن شعوب لا تعرف الوسطِيّة في كل شيء فدائماً نرتفع بقوة ونهبط بقوة أكبر ولا نجيد الحل الوسط ابتداءً من الفكرة انتهاءً بالممثل نفسه الذي تجده يعيش تناقضات غريبة في لحظة شرير وفي لحظة طيب وفي لحظة مجنون ..!!
وكيف لا نكون كذلك والتجارة أصبحت مبدأ الكثيرين من قنوات ومنتجين وكتاب وممثلين فالجميع اليوم أصبحوا يبحثون عن ما يعبئون به جيوبهم ويبحثون عن الشهرة على حساب أجيال قادمة أصبحت تستمد ثقافتها اليوم من الفضائيات والانترنت فلا يهمهم أن يقدموا قيمة فكرية مجسدة بقدر أن يقدموا ما يلهب القلوب ويدر الدموع والأسوأ ما يغري العيون من خلال أطنان الماكياج وكشف اللحوم التي يتغاضى عنها مقص الرقيب والضمير تحت غطاء الموضة وعمليات التجميل .. شيء مخزٍ ومحبط أن تتجسد حقيقة مجتمع كامل في فكرة منتج تاجر أو كاتب بائع أو في الاثنين معاً لما لا وأصبح هناك من تتاجر أو يتاجر بأفكاره التي يضيف عليها بهارات الابتذال والرقص والسخف وزجاجات الخمر والعلاقات الغرامية الوقحة.. أهذه حياتنا أهؤلاء نحن .. أين حياة الإنسان البسيط الطبيعية بكامل همومه المعقولة ..أين الكتُاب الحقيقيون الذين يشعرون بحقيقة المجتمع أين الإنسان الخليجي الحقيقي بين كل هذه المهاترات الأخلاقية..
نحن لسنا ضد أن نصور واقعنا ونعالج همومه علناً وبقوة ولكننا لسنا مع أن تستغل هذه الهموم بطريقة فاشلة ومبتذلة تسيء إلينا أكثر مما تنفعنا .. نحن نريد أن نرى حقيقتنا أن نعري ونكشف أخطاء مجتمعنا بطريقة ترتقي بنا وبأفكارنا وبأبنائنا لا تهبط بنا إلى أسوء الصور . ولكن كيف نفعل ذلك وهناك من يستغل همومنا لتعبئة جيوبه ..؟!!! نترك لكم الحكم والاختيار أيضاً بين الجيد والرديء ..