|
|
السقوط الآخر
(سقط) الكأس من مكانه الآمن وتهاوى إلى الأرض فانكسر وانتشرت أجزائه الدقيقة كشظايا غرست أسنانها الصغيرة المدببة في كل مكان استطاعت الوصول إليه وكأنها جائعة لحد الإجرام،بسبب المفاجأة والخوف لم أشعر لثواني أن الدماء بدأت تنزف من قدمي ولكني استوعبت ذلك بسرعة بعد أن بدء الألم يرسل اشاراته إلي،التقطت منديلاً ومسحت به الجروح الصغيرة وأنا أفكر في ذلك (السقوط) البسيط الذي حول كوبي المفضل إلى أجزاء من المستحيل أن تعود إلى الاجتماع وأن يعود كوبي لي،ثم أخذني تفكيري إلى الكلمة ذاتها (السقوط) و معناها،هل تعني أن يسقط جسم ما من أعلى إلى أسفل بغض النظر عن وزنه وحجمه..؟ وأن يتحول من طبيعته الساكنة فجأة إلى متحركة تهوي به بسبب قوى أخرى مؤثرة (الجاذبية الأرضية)..؟ وهل كل الأجسام تسقط بنفس السرعة وتتعرض لنفس النهاية..؟ طيب أين دور الهواء في تخفيف حدة هذا السقوط..؟ أعتقد أن لكل سؤال من هذه الأسئلة إجابة علمية و منطقية عند أرسطو، ولكن ماذا عن (السقوط الآخر)؟!! عندما تسقط إنسانيتك من الأعلى إلى الأسفل وتنحدر كثير من الصفات والمقومات التي تفصلك عن سائر المخلوقات الأخرى فتنحدر إلى الهاوية..!! هل ستتحول إلى أجزاء ككوب من زجاج مكسور..؟ أم ستشعر بالألم كـ الألم الناتج عن ارتطام جسدك بأرض صلبة..؟! بالطبع لا ، هنا الإختلاف لأن في تلك الحالات هناك نتيجة ونهاية سريعة فخلال ثواني يقع السقوط وتقع النهاية بينما السقوط الإنساني بمعناه الشامل يطول ويطول لأنه يتدرج تنازلياً من الأفضل إلى الأسوء وبين كل سقطة وأخرى يمتص الزمن من الإنسان وقتاً لا يستطيع إعادته، ولو عاد هو إلى ضميره و حقيقة إنسانيته،ووهذه الخسارة الكبرى أن ينقضي العمر متمرغاً في سواد يشبه سواد امرأة ماجنة قضت عمرها كله بين الرذيلة والقذارة وفجأة استيقظت بعد أن خسرت كل شيء،طبعاً هذا التشبيه مجرد صورة واحدة من الآف السقطات التي تملئ البشرية..
و عالمنا العربي تحديداً مليء بالسقطات التي لا تنتهي الاجتماعية منها و السياسية والأدبية والفنية و الإقتصادية وغيرها،وكل هذا الإنحدار سببه أننا تخلينا عن قيم انسانية وارتدينا ما يجعلنا أشبه بسكان الغابات، همنا أن نعيش وأن نأخذ كل ما هو ليس لنا حتى نسمة الهواء..!!
أنا لست حزينة لأني فقدت كوبي العزيز ولا لأني أصبت بالجروح، لأن من أهدتني الكوب ستهديني غيره والجروح بالتأكيد ستشفى ولكني حزينة لأني فقدت الثقة في أن نكون أفضل في عصر الحرية والديموقراطية وأن نصعد بإنسانيتنا إلى الأعلى بل على العكس أصبحنا نسير إلى اتجاهات أخرى والدليل أنظروا إلى ما يحدث في المنطقة العربية، انظروا إلى إقتتال الإخوة حماس وفتح ،إلى انتحاري العراق، إلى هيمنة أمريكا، إلى انقلاب الموازيين في الإعلام ، إلى الفقراء الذين يملئون الأرض، إلى الأثرياء الذين يفجرون وهم ينهبون ذات الأرض، وإلى وإلى وإلى، نحن نتطور عمرانياً واقتصادياً ولكننا ننحدر إنسانياً،هناك سقوط إنساني مريع سببته قوى مؤثرة بيئية وإقليمية وسياسية واقتصادية، والمؤلم أنه ليس هناك شيء يمنع هذا السقوط من الإنحدار أكثر لأن ديننا الإسلامي أصبح للكثير مجرد انتماء في الهوية فقط.
بقيت لي سطور..
والأقسى أن ديننا اليوم أيضاً أصبح اتهام، ياترى من المسؤل عن ذلك نحن أم هم،فلنسأل أنفسنا جميعاً هذا السؤال فلربما تداركنا شيء وأشك في ذلك.