جريدة الوطن القطرية  -  نافذة على الوطن     رسالة إلى زميلة قديمة : لا تسيئي لبلدك

 

              

رسالة إلى زميلة قديمة : لا تسيئي لبلدك

 

عرفتها أيام الدراسة كزميلة ، ولم ننسجم كثيراً لاختلاف الفكر والطباع بيننا ، ولكن رغم ذلك استمرت علاقتي بها حتى اليوم ، كانت جميع لقاءاتنا تحددها الصدفة فقط ، في كل لقاء لنا نتبادل السلامات والشكوى ، حيث كانت تشكو لي كثيراً عناء بحثها عن وظيفة بعد تخرجها ، التي لم تترك لها باباً إلا وطرقته في مسلسل طويل بدأ منذ تخرجها ، وكنت اتعاطف معها ، لشعوري بوضعها وبرغبتها في تحقيق ذاتها وطموحها ولكني لم أكن امتلك لها سوى المواساة والدعاء بالتوفيق.

ومنذ فترة طويلة لم تشأ الأقدار أن نلتقي ، تقديراً قرابة السنة ، حتى أتى يوم كنت فيه مع والدتي في احدى المؤسسات الحكومية نقبع في غرفة الانتظار ننتظر دورنا وخلال ذلك كنا نمارس هوايتنا أنا والوالدة، أنا غارقة في القراءة وأمي في تأمل وجوه الناس لولا بعض التذمر الذي كنا نسمعه من بعض المراجعات حول موظفة غير موجودة في مكتبها منذ أقل من ساعة ، وبصراحة لم اهتم كثيراً لأن هذه الصورة قد نصادفها في بعض الأحيان.

في داخلي حمدت الله أن حظي أوقعني في موظفة أخرى أنهت موعدنا بهدوء، وبعد برهة من الوقت ظهرت الموظفة المحترمة مع زميلة لها وهما تتبادلان الضحكات وجلست إلى مكتبها الصغير دون أن تكلف نفسها عناء الالتفات إلى تلك العيون التي ترقبها بصبر وغضب، و بدون حتى أن تشعر بتأنيب الضمير، قامت إحدى المراجعات المسنات إليها واعطتها أوراقاً ملونة فأشارت لها بيدها ببرود أن تعود للإنتظار و تجلس و ما كان على المسكينة إلا أن تنفذ، وقتها بدأ الموقف يستولي على اهتمامي لأني بدأت أشعر بالضيق  منها مثل الآخرين،ظللت أراقبها وهي تتحدث بالتليفون وتذهب وتجيء وتمارس عملها ببطء وبرود، وفي الطرف الآخر منها كانت هناك موظفة عربية أخرى كانت تتولى الفراغ الذي تسببه هي من وقت للثاني، ثم عاودت الكرّة واختفت من جديد وبعض مضي اكثر من خمس دقائق عادت، وفجأة علت الأصوات بينها وبين زميلتها حيث غضبت الأولى لأنها مررت معاملة ولم تنتظرها فكان الخلاف حاداً وجارحاً شهدته جميع المراجعات الواجمات في انتظار النهاية الشافية لغضبهم، عندما أخذت الأولى تلوم الثانية لتدخلها قائلة هذا عملي ولا تتدخلي فيه ؟ ردت الثانية : ولكن هناك مراجعين ينتظرونك منذ وقت طويل ؟ أجابت الاولى فلينتظروا هل عينتِ محامية عنهم ؟ كلمة من هنا وكلمة من هناك تراشقتا بها بصوت مرتفع حتى كانت النهاية التي آلمتني وصدمتني وهي سبب كتابتي لهذا المقال اليوم والتي ألقتها الموظفة المبجلة بجهل وقلة وعي والتي اكتشفت منذ البداية أنها تلك الزميلة التي ظلت قرابة ثلاث سنوات تبحث عن عمل حيث قالت : «أنا قطرية وبنت البلد أسوي اللي أبيه ، إنتِ هني تجمعين فلوس وتردين مكان ما جيتي منه»،طبعاً كانت مهزلة حوارية غير طبيعية تدخلت على إثرها المسؤولة عنهن وحلت النزاع بعقلانية بين الدموع والغضب وأتوقع أنه كان هناك تدخل إداري، بل أتمنى ذلك،فجأة عمّ الهدوء المكان وعدنا إلى عالم الإنتظار، وبقيت أفكر ، ماذا يعني أن تؤمنك الدولة على عمل يخدم الناس فتخون الأمانة أو تهملها ؟! ، وهل يحق لها كونها بنت البلد أن تسيء إلى سمعة الموظفات القطريات الأخريات واللائي يعملن باجتهاد ونشاط وتفان واحترام وهن مثال راقِ للموظفات الواعيات ؟!، وأمعقول بعد كل تلك المعاناة في البحث عن وظيفة تتصرف بتلك الطريقة الغير مسؤولة ؟!، وأمعقول أن يرفعنا وطننا ونحن نقلل منه بجهلنا ؟!، ويا ترى ما هي الوطنية التي تفهمها هذه الموظفة السطحية؟! ،أسئلة كثيرة لم أجد لها إجابة لأنها في النهاية مربوطة بعقلية الشخص ونفسيته.

 

بقيت لي سطور..

في رسالتي أقول لها: أنتِ مثال سيئ ولا تمثلين إلا نفسك ،ولكنكِ وضعت في مكان عام يمثل المؤسسة التي تعملين بها ويمثل وطنك قبلاً الذي أعطاكِ أكثر مما تستحقين ، فلماذا لا تكوني مسؤولة وتتذكرين أنكِ ذات يوم كنتِ في رجاء الحصول على أي وظيفة، والأهم لا تستخدمي اسم الوطن لتبرير تصرفاتك السيئة.

(أعلم أنكِ تقرأين هذه السطور).


                                                                                                   رجوع