|
|
مستقبل العنود
كم هي الظروف صعبة إذا أحاطت بإنسان وحاصرته وجعلته في لحظة ما يشعر باليأس
والإحباط، وكم هي الإرادة نعمة لا يعرف قدرها إلا من ذاق نتائجها بعد أن تحدى نفسه
وتحدى العالم ليحظى بلذتها، وكم هم قلائل في هذا الزمن الذي لا يعرف نفسه من
يمتلكون الإرادة القوية لمجابهة تحديات الحياة، وكم هو جميل أيضاً أن تصادف أناساً
مثلهم وتتعلم منهم كيف تساير الظروف وتتحدى كل المواقف والعقبات الصعبة والقاسية
.
لقد ساقني القدر لألتقي بأم العنود وهي مواطنة مكافحة خرجت من قصة طلاق بطفلة وحيدة
هي أملها الوحيد بعد أن ضاقت بها السعادة، فلقد تزوجت برجل من دولة خليجية اشترط
عليها بعد الإنفصال ألا ينفق على الفتاة مقابل حضانتها لابنتها، ووافقت مجبرة
ومكرهة لأنه ما من خيار آخر، فهي لم تكن تستطيع أن تتخيل اللحظة التي سينتزع فيها
طفلتها من أحضانها، أو أن تترك ابنتها لتسافر لمستقبل مجهول في بلده، فكانت هذه هي
البداية لانطلاقتها حيث سعت ولمدة ثلاث سنوات متواصلة في البحث عن عمل في كل مكان
تخللت هذه الرحلة الدموع والأحزان وطعم القهر والذل في البحث عن مصدر رزق لها
ولابنتها، ورغم الليالي الحزينة المليئة بالقلق والخوف من المستقبل، إلا أنها اصرت
على اكمال دراستها في المساء وتخطت المراحل مرحلة تلو الأخرى، تارة بسهولة وتارة
أخرى بعناء إلى أن أتتها أخيراً الموافقة بعد سنين من تقديم الطلب وقبلت في إحدى
مؤسسات الدولة كموظفة، وكان هذا اليوم أحد الأيام التي لا تنسى، حيث احتفلت ليلتها
أخيراً بطعم الفرح والراحة بعد طول عناء، وبعدها قررت أن تتحدى الشارع وأن تقود
السيارة كي توفر أجر السائق ومشاكله وبالفعل نجحت واجتازت هذه الخطوة.
ولكن خلال هذه السنين كبرت ابنتها الصغيرة وخلالها احتاجت إلى الرعاية الصحية حالها
وكان لابد من دخولها المدرسة، ولكن كيف وهذه الصغيرة لا تملك «جوازا» أو هوية
لوالدتها ووالدها الذي رغم الوعد الذي قطعه إلا أنه تنكر ورفض استخراج جواز لها
فكانت كالمعلقة دون وجود فلم يكن لها وقتها حتى رقم شخصي تستطيع من خلاله الدخول
إلى المدرسة، ولكن أم العنود لم تيأس وحاولت وحاولت ادخال الصغيرة إلى المدرسة وبعد
مرور شهرين من تأخرها دخلت على أساس أنها ستكمل الاجراءات الرسمية لها في القريب
العاجل وبالفعل خلالها لم تترك أم العنود باباً إلا وطرقته على أمل ان تستطيع
استخراج رقم شخصي تستطيع به الصغيرة ان تتعلم وان تتلقى العلاج في مستشفيات الدولة.
وكما اعتدنا في هذه الأرض على وجود أناس طيبة تحمل الخير الكثير وجدت أناساً اكتفوا
بالأجر من عند الله لمساعدتها وذلك بعد ان توجهت إلى وزارة الداخلية وتقدمت بخطاب
وبالفعل تفاعل معه الملازم جمال الكعبي وساعدها بالارشاد والتوجه إلى الجوازات حيث
ذلل لها الكثير من العواقب لو سارت لها دون مساعدته لما استطاعت وتم استخراج الرقم
الشخصي للصغيرة وأخبرتني أم العنود أنها لم تبك في عمرها كله على أي فرح كهذا الفرح
الذي أزاح حملاً ثقيلا عن كاهلها فمستقبل الصغيرة لم يكن معروفاً لأنه مرهون
بتقلبات ومزاجية الأب الذي لم يراع الله فيهما، فهي الآن تستطيع تعليمها وعلاجها
بالمجان كابنة أي مواطنة أخرى، وكأن الحياة لا تستطيب بعد الحلاوة إلا المرار
تفاجأت بعد أسبوع من ارسال الرقم الشخصي للمدرسة بخطاب يخطرها بأن ذلك اليوم هو آخر
يوم للفتاة في المدرسة لأن أوراقها ناقصة، وتقول أم العنود من شدة الخوف والقهر لم
تحملني قدماي ولم استطع الذهاب إلى المدرسة بمفردي فلقد دارت الأرض بي وتخيلت ان
جهدي ذاك كله ذهب دون فائدة فتوجهت إلى ادارة التعليم وقابلت وكيل الوزارة الأستاذ
ربيعة الكعبي الذي استاء كثيرا لطرد الفتاة من المدرسة وأمر بتثبيتها حتى أن تتخرج
من الجامعة إن شاء الله وكان هذا الاهتمام منه نهاية الأحزان لمواطنة حلمها بسيط أن
ترى ابنتها ذات السبع سنوات تكبر أمامها بعد ان تخلت عن الدنيا ومن فيها من أجلها
وبعد أن تخلى عنها والدها وهي في عمر 8 شهور، فوجود أمثال الرائد جمال الكعبي
والأستاذ ربيعة الكعبي من أبناء هذا الوطن الطيب لهو خير دليل على أن الدنيا مازالت
بخير فشكرا لهما ولكل من سعى في العلن والخفاء لمساعدة أناس ضعفاء ساقتهم الأقدار
ليكونوا ضحايا قسوة هذا الزمن،كان هذا جزء من مقال سابق نشرت فيه قصة أم العنود ،وتساءلت
في نهايته عن الهم الأخير الذي يؤرق مضجع هذه المواطنة، وهو متى ستشعر بالأمان
وستنسى الخوف ومتى ستمنح ابنتها الجنسية؟ وكان ذلك في عام 2006 واليوم نحن في 2008
ولم يتغير شيء مازال الحال كما هو عليه ، ومازالت تنتظر الفرج،
لقد التقيت بالأم وابنتها ، وقد كبرت الطفلة وأصبحت أكثر جمالاً وحيوية، وهي الآن
في الصف الثالث الابتدائي، ولكنها مازالت معلقة، لا تستطيع السفر، ولا فعل أي شيء
حتى اشعار آخر من الأب الذي لا نعلم يوماً ماذا سيقرر فجأة..
بقيت لي سطور.
.هذه الأم مثال حي وقوي على عزيمة بعض النساء المناضلات من أجل العيش بكرامة ولكنها
مازالت تطمح في أن تستقر ابنتها وأن تحصل على الجنسية ،فاليوم مازالت الطفلة صغيرة
ولكن غداً ستكبر وستتجدد معاناتها ولكن بهموم أكبر.