|
|
متعة البطء
( البطء) رواية للكاتب التشيكي ميلان كونديرا ربما قد قرأها البعض منكم فهي رواية
قديمة نوعاً ما، لم تعجبني لأنها خلت من عنصر التشويق ولم تحفزني كثيراً لمواصلة
القراءة بشغف كعادتي، إلا أنني وجدتها جيدة في القيمة التي حملتها والمعنى الذي
خرجت به بعد أن اختتمتُ آخر سطورها،فقد انتهيت منها وأنا أفكر هل لاحظنا اختفاء
لحظات البطء من حياتنا..؟ تلك التفاصيل الدقيقة في موقف أو مشهد أو ظرف ما،ولو
لاحظنا، هل شعرنا بقيمتها وبمعنى مروروها على جسد الأشياء وبين فواصل الثواني
والدقائق؟ هل عرفنا معنى أن نستمتع بها أو هل حاولنا أن نعرف كيف نستمتع بها؟،تذكرت
مقال سابق كتبته في مجلة بروق بعنوان (لما لا نشعر أننا نتنفس الحياة؟) تحدثت فيه
عن عدم مقدرتنا على الاستمتاع بكثير من المواقف التي تصادفنا،قد يختلف الموضوعان
قليلاً ولكنهما يلتقيان في الإحساس بتلك الثواني الصغيرة من الوقت، يقول الكاتب
ميلان الذي يروي حكايتين تحدثان في زمنين متباعدين ومختلفين حاول من خلالهما رصد
البطء بدقة مبيناً مداها أو تأثيرها واختفائها من عصر السرعة،(لما اختفت متعة
البطء؟آه،أين هم متسكعوا الزمن الغابر؟أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى،هؤلاء
المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا
باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات والطبيعة؟ يُعرّف أحد الأمثال الشعبية
التشيكية كسلهم مجازاً قائلاً : إنهم يتأملون نوافذ الله،ومن يتأمل نوافذ الله لا
يسأم أبداً بل يكون سعيداً. في الوقت الذي أصبح فيه الإسترخاء في عالمنا بطالة وهذا
أمر آخر تماماً : إذ يبقى المرء الذي لا يجد ما يفعله في حالة إحباط وملل وبحث دائم
عن الحركة التي يفتقدها)،أعتقد أننا غارقون لحد الإختناق في غبة الحياة السريعة،لا
نشعر بمتعة كثير من الأشياء تستحق الوقوف عليها والتمعن فيها،لا نعرف أن نعيش كل
لحظة كما هي على صورتها الحقيقية ،همنا أن نركض وأن نصل إلى أين لا يهم المهم أن
نسرع الخطى،فقدنا الارتباط بالزمن وأصبحنا كدولاب يتدحرج من أعلى قمة جبل ولن يتوقف
حتى يترطم بحاجز صعب يقف في وجهه فجأة فيوقفه ربما يكون مرض أو موت أو أي شيء قاس
يمسك بكل لحظات العمر الضائعة فجأة وينثرها في وجه ضعفنا دفعة واحدة أيضاً،ونحن
مستسلمون نتابع كل شيء واللحظات الأخيرة بلا حيلة ولا نملك وقتها إلا البكاء على
أنفسنا و على ماضاع منا بل الأحرى على ما ضيعناه من بين يدينا،ما زلت أتذكر بعض
اللحظات العابرة في حياتي وأتذكر تحديداً ما كان يدور في رأسي حينها،ورغم مضي
الكثير من الوقت عليها إلا أنها عالقة ببالي لأني شعرت بثوانيها وهي تتسارع
لتكبر،اعتقد أنني استمعت جداً بلذة وقوعها وانتهائها،ولكن ماذا عن الكثير الذي ضاع
من عمري؟ وماذا عن الباقي منه؟ علينا جميعاً أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة ،هل سنشعر
بما سيأتي أم سنضيع في تكدس ظروف الحياة العجلة على رؤسنا؟ وهل ستحب ذاكرتنا بطء
التفاصيل أم ستمسح ما يتعبها؟،لا أعلم ولكن عني أنا سأحاول أن أمسك بأي شيء.
بقيت لي سطور..
لقد دعانا الله عز وجل ورسوله الكريم إلى التأمل في مخلوقات الله والتفكير في تفاصيلها لأن ذلك سيدفعنا إلى ما هو أعظم، إلى الإيمان بأن هناك من هو أقوى وهو من صنع بقدرته عظمة هذا الكون،إذن فقد وجهنا ديننا كي نلتفت إلى كل ما هو حولنا،إن اللحظات الجميلة والسيئة تسرق منا عمراً لن يعود أبداً، وخلال عبورها على مساحات سنواتنا وخطوط وجوهنا تمتلئ حياتنا بملايين التفاصيل الدقيقة التي نسهو عنها لأننا مشغولين بما هو أكبر منها، هناك تفاصيلً لو حاولنا أن نمسك أو أن نستمتع ببعضها أو نتعظ منها لتذوقنا الشعور بمتعة أننا أحياء، وربما وقتها كنا أكثر سعادة وأكثر هدوءً..