|
|
أسد في قفص النعام
صف طويل من الوجوه الصامتة والمتعبة تنتظر بصبر وملل موعدها للدخول عند الطبيب المختص ، وأنا كعادتي في كل لحظة انتظار أمارس هوايتي المفضلة القراءة ، ولكن في صمت آخر ،من نوعٍ جميل وخاص ،بينما عيناي تتنقلان لا إرادياً بين السطور التي أمامي وبعض الوجوه الواجمة حولي ، فجأة اقتحم هدوؤنا صوتاً هاتفاً لزئير أسد أقصد (رجل) ليبعثر بغضبه سكينتنا ، على صوته قفزت امرأة تجلس في آخر الغرفة وأسرعت بتوتر اتجاه مصدر الصوت وهي تجرّ أبنائها كأفراخ البط ، ولكن ذلك الصوت لم ينخفض بل ازداد قوة وغضباً ليسمعه كل من في العيادة وهو يردد بقبح وهمجية ( لعنة الله عليكِ يالغبية أنا ما قلت لك انثبري في ذاك المكان أنت ما تفهيمن يا (.....) ، الله ياخذك وأفتك منك ومن أمراضك)..إلخ من الكلام الغير أخلاقي والغير لائق ، كان من الطبيعي أن يتوقف المارة وأن تفتح العيون والآذان لذلك (النهيق) ويهدأ المكان ، عادت المرأة إلى غرفة انتظار النساء خافضة رأسها في حرج والدموع تبلل (نقابها) وجلست وهي تمسح بيدها المرتعشة رأس طفلتها الصغيرة ، كانت تحاول تحاشي العيون التي ترمقها بشفقة وفضول، ولكن لم تستطع أن تمنع أذنيها من استقبال بعض العبارات المستنكرة ، وقتها لم أكن أقل اهتماماً بها من غيري لأني لم أستطع أن أغفل عن ما رأيت وسمعت ، ولم أستطع أن أمنع دمعة سكبتها قهراً على تلك المسكينة ، وتساءلتُ يا ترى كيف هي حياتها معه في المنزل بعيداً عن العيون ، هل يضربها ، هل يهينها بقسوة أكثر من ذلك ؟!! ، لم أحتج إلى الإجابة لأني استشفيّتها من عينيها الزائغتين ، حسناً ، أين أهلها ؟!! ، وإذا لم يكونوا موجودين هل تعرف أن هناك حقوقاً للإنسان ولها كامرأة تحديداً ؟، هل تعلم أن هناك مراكز عدة تستطيع أن تقدم لها الدعم والحماية والنصيحة ، هل تعرف أصلاً بوجودها ؟ ، هل فكرت يوماً أين تذهب أو إلى من تلجأ ؟ لا أعلم ، ولكني لم أستطع أن أستشف هذه الإجابة لأنني لم أشأ أن أقترب منها كي لا أزيدها إحراجاً،فخرجت لأني لم أستطع أيضاً احتمال ذلك الألم وأولئك الأطفال وتركتها كما تركت موعدي،إن الألم الذي خرجت به من ذلك المكان ترك في داخلي أسئلة كثيرة ، أهمها ، ماهي الرجولة الحقيقة ؟ ، هل هي أن يمارس الرجل قوته وسلطته بجبروت على من هم تحت وصايته ؟!! هل هي سلاح ٍ يوجه لتدمير الضعفاء عوضاً عن الدفاع عنهم ؟!! ، للأسف يخلط البعض منهم بين مفهوم الرجولة والذكورة فيمارسون بجهل تصرفات سيئة أسبابها مرضية (نفسية) باسم الوصاية ! لا يستطيعون التفريق بين الإنسانية والهمجية ! بين الوصاية والرعاية ! ، لأنهم يفهمون الرجولة أقصد الذكورة بالسيادة والاستعباد ! ، لا أستطيع أن ألوم هذه الفئة لأن شخصياتها و مفاهيهما تكونت من بيئة تعاقبت لأجيال عديدة وهي تعزز وتؤصل أفكارها السلبية من منظار خاص وجاهل ، هؤلاء يجهلون أن وجودهم في حياتنا هي السعادة التي نرغب بأن نستفيء تحت ظلالها لا لأن نموت في سبيل استجدائها!! أو تحت رحمتها !
بقيت لي سطور ..
للأسف هناك البعض من الرجال لدينا عالقين بين مفهومين ،إما سحق النساء في البيوت،أو اللهو بهن في الطرقات!!! وهنا الخلل ليس نفسي فقط ، بل ديني وأخلاقي ، لا أعلم متى سيتطورون ويخرجون من دوائرهم الضيقة في فهم الإنسانية ، وأن الحياة بين الأفراد تعني المشاركة والرحمة والاحترام لا السيطرة والاستبداد والتمنن بواجب أسداه الله لهم ليمتحنهم فيه وليمتحنا معهم .