جريدة الوطن القطرية  -  نافذة على الوطن       المثالية على الورق

 

                                                                                                   

المثالية على الورق

 

للقلم والورقة سحر خاص لا يدرك لذة لحظات عناقها إلا من عرف قيمة ما يملك من فكر وإحساس ومشاعر.. فالكاتب أو الأديب أو حتى الهاوي الغارق في مزاجية الذات  يجد متعة خاصة في اعتلاء عظمة السطور وإمساك لجام الحروف ومحاولة تطويعها  في حمل ما يثقل العقل والقلب من أفكار وهموم  ومشاعر فيعبر جسور السطور ويمارس الفضفضة الفكرية والنفسية حتى إذا ما استراح وأخرج ما يؤرقه تنفس الصعداء وأرخى قلمه ليعود مجدداً في لحظة أخرى يسابق جموح السطور والفكر.وتظل دائماً المتعة موجودة حتى وإن اقترنت بالمسؤلية وحتى وإن وجد الكاتب نفسه ملزماً بالكتابة مهنياً أو أدبياً طالما أنه يضع في باله هدفاً واحداً وهو (الإخلاص) .. الإخلاص لمبدئه و لقلمه و لمسؤليته..لأنها هي المتعة الحقيقية للقلم الصادق والنبيل..

قد ينخدع العديد من الكتاب بزيف الأضواء فيغرقون دون شعور في بحور الأنا ويتلاشى الإخلاص فبعد أن كان يكتب للقيمة والهدف أصبح يكتب لنفسه الهدف .. وهنا تضيع المتعة الحقيقية لهذا الترابط تحت الأهداف الخاصة وتفقد رونقها النقي حتى وإن تأنق..

سؤال.. هل يعكس القلم حقيقة صاحبه..؟َ!

من الطبيعي أن يسخر الكاتب الحقيقي جهوده وإمكانيات موهبته في الكتابة عن قضايا تهم القارئ،ومن الطبيعي أن يبحث خلال ذلك عن شيء ما لنفسه وأكبرها حب الناس،ولكن قد يكون القلم للبعض سداً يخفي خلفه وصولياً منافقاً مدعي وغيره كما هي الصورة الجميلة المذيلة بمقالاتهم مثلاً و التي يختبئ خلفها البعض منهم وما إن تعاشرهم وتحاورهم أو حتى تكشف لك الصدفة شيئاً تصدم بالحقيقة وهي أنهم أبعد ما يكونون عن ما يملئون به السطور من حشو مدروس..

قد يتغافل البعض من الكتاب عن حقيقة ثابتة وهي أن القارئ اليوم لم يعد كالسابق..أصبح أكثر وعياً وأكثر إدراكاً وإن خدع لفترة،فاليوم يستطيع أن يميز بين من يكتب لهدف ومبدأ وبين من يكتب لنفسه والصورة..وهؤلاء سيفشلون وسيسقطون سريعاً لأنهم يفتقدون أهم خصلة وهي الإيمان بمسؤلية الكلمة..

 

اليوم الكثير من الكتاب يعملون كـ (قسسين) للكلمة يسرفون في بذل النصائح ويغدقون بالمثاليات رفوف الأسطر حتى يصبحون مثاليين جداً ويبقى القارئ هو المتلقي وهو الضحية التي تحاك منه وعليه المصلحة.

 

بقيت لي سطور..

من حق كل صاحب قلم أن يصنع المثالية التي يحلم بها وأن يصلح بسلاحه المجتمع والكون إذا أراد ومن حقه علينا أن نصدقه وأن نؤازره كي تنتقل المثالية من الورق إلى الواقع ،ومن حقنا أيضاً أن نحلم معه بمثالياته وأن نؤمن بها طالما أنها تجمل وتزين واقعنا، ولكن أن يضعها طعماً كي يصطاد بها عقولنا وربما أشياء أخرى هنا يجب أن يبتر وأن تبتر الأصابع التي تلتف حوله، لأنها كالعفن ولن تجلب معها إلا الروائح السيئة. قد يفهم البعض مقالي وقد لا يفهمه البعض ،ولكن أكثر ما يهمني أن يبقى السؤال في ذهن المارين من هنا هل المثالية فقط على الورق؟!

                                                                                                  رجوع