|
|
المظاهر وعقدة النقص
إذا كنت من النوع الذي يهتم لسلوكيات البشر ، ستقف عند كثير من الخطوط التي يرسمها ويلونها الإنسان حولك ، وبالأخص تلك التي تثير الإنتباه ،لأنها ستدفعك إلى تفصيل وتحليل الأمور وفق فراستك الفطرية والثقافية ، وربما إلى محاولات لتصحيح أو إثراء البعض منها.
وككل المجتمعات الإنسانية في العالم يعيش المواطن القطري تفصيلات حياته وفق المعطيات التي صنعتها حوله الظروف والبيئات المحيطة ، فهو لا يختلف عن غيره من البشر في تفاعلاته مع الأحداث ولا في تعاطيه معها.هذه المقدمة هي بداية صغيرة لظاهرة بدأت تفرش سطوتها على أبواب المجتمع القطري وبدأ يلحظها الكثير من الناس،(المظاهر) ، حيث يغالي البعض في تصرفاته الشكلية لدرجة الهوس والسطحية ، من أجل أن يعجب الآخرين فقط أو ليلفت الإنتباه إليه، وفي كلا الحالتين، هو مرض يدل على أن هناك خلل ما في نفسية ذلك الإنسان و لديه عقدة في النقص وخوف من انكشاف حقيقته. ومن الملاحظ أن هذه الظاهرة لا تختص بطبقة معينة بل هي منتشرة في جميع الطبقات الإجتماعية بلا استثناء.
تكمن حقيقة هذه المشكلة في التقليد الأعمى حيث يسعى البعض إلى تقليد الآخرين حتى ولو كانت قدراتهم المادية أو الإنسانية أقل، المهم أن يكونوا كـ الآخرين وبالأخص ممن يعلونهم في المستوى، فالبعض يضع على عاتقه الديون من أجل شراء سيارة فارهة أو أثاث وغيره ، حتى على نطاق الأسر تغالي بعض الأسر في إقامتها للمناسبات كحفلات الزفاف لدرجة البذخ والتبذير ولا تهم النتائج فيما بعد ، والأمثلة في المجتمع كثيرة من أجل فقط أن يثبتوا أنهم كاملين بل وأفضل.
إن السلبيات التي تخلفها هذه الآفة السلوكية تؤدي خلل في تركيبة المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتشويهاً للمستوى الإنساني العام ، حيث سيظهر دائما متنصلاً عن حقيقته لأنه يعيش حياتين حياة في الظلام وحياة أمام الناس ، سيعيش على إزدواجية الحياة وبالتالي على ازدواجية الروح .
يلقي الكثير باللوم على تغير الحياة وتحولها إلى الماديات في زمن لا يتحدث إلا بلغة واحدة كم تملك ؟ من أنت ؟ ما مستواك ؟ ،ولكن الحقيقة أن الحياة تتغير بتغير البشر لأنهم هم المؤثرين فيها وهم من يشكلون أنماطها و يصنفون قوانينها ، وإلقائهم باللوم على الحياة هي كذبة أقنعوا بها أنفسهم لأنهم لا يستطيعون الاعتراف بنواقصهم.
نحن لا ننكر أننا أحياناً نضطر إلى مسايرة الواقع ومجاراة بعض أهوائه فنقدم على سلوكيات لا تشبهنا من أجل فقط أن لا نشذ عن القاعدة السائدة ،فنجامل بما يخصنا لمن لا يخصنا ، ولكن أن نترك تلك المجاملات تستفحل فينا لدرجة أن تكون همنا الأول وسبب تراجعنا أخلاقياً وفكرياً هي مصيبة ومرض وتحتاج إلى علاج.
جميعنا نحب أن نظهر بمظهر لائق وجذاب أمام الآخرين ،وجميعنا نريد أن نكون الأفضل والأجمل ،لذا نجتهد وننافس ، نرسم ونلون، لذا نبني الحياة لتكون بنا أجمل، ومن لا يريد ذلك فهو ينكر فطرته الانسانية الطبيعية في الغيرة وحب الذات ،لذا الوسطية في كل شيء مع التحلي بالعقلانية والتوازن أجمل بكثير من العكس في كلا الحالتين.
بقيت لي سطور..
أن تتظاهر بما ليس فيك أو لديك معناها أنك تكذب ، والكذب خصلة ذميمة ، وأن لا تقتنع بما لديك معناها أنك لست قانعاً بما قسمه الله لك من رزق وفضل ،وعدم الرضا بالنصيب هو من نقص الإيمان بالله ، قال رسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: قال: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وان البر يهدي الى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي.هل يوجد كلام أوزن أو أجمل من هذا الكلام الطاهر حتى نقتدي به ، لا يوجد.