جريدة الوطن القطرية  -  نافذة على الوطن      الجوع

 

              

الجوع

 لم يكن يتصرف بطبيعية ، يتلفت يمنةً ويسرةً  ، يروح ويجيء ، لم ينتبه لوجودنا لأننا كنا نجلس في زاوية بعيدة ومظلمة قليلاً بحثاً عن شيء من الهدوء والستر ، ولم يكن المجمع التجاري في ظهر ذلك الخميس مزحوماً كعادته من أيام الإجازة ، في البداية لم نكترث لوجوده أبداً ، لأننا أتينا لنرتشف مشروباً ساخناً ونستريح من عناء التسوق ، كان أخاً عربياً ، آتاه الله من الجسد عرضاً وطولاً وصحة ، رث الثياب نوعاً ما ، يلبس جلباباً داكناً ، أسمر البشرة ، خشن الملامح ، في النهاية وبعد توتر استقر على إحدى الطاولات بجانب عائلة تتكون من أربعة أفراد يتناولون غدائهم ، أثناء ذلك حدثتنا إحدى المرافقات لنا عن معرض المجوهرات وعن إعجابها الشديد بالعديد من القطع ، وأخذت لعدة دقائق تصف بعضها ، استرجعت في باطن عقلي لثواني جدران المعرض والقطع البراقة التي استرعت انتباهي وتلك الفخامة والحرص التي تعيش فيها هذه المجوهرات الثمينة ، ومن بينها بعض الوجوه التي رصدتها هناك ، انتهت السيدة الفاضلة من حديثها ، وأنا أسمعها وابتسم لها في صمت ، وعيناي لا شعورياً انتقلت لمشهد لم أكن أتوقع أن أراه في حياتي وبالذات في تلك الظهيرة ، بعد أن تركت العائلة مكانها من الطاولة بما حملت من بقايا للطعام الذي يمس الأطفال الكثير منه ، نهض ذلك الرجل بسرعة وقلق وأخذ بعض الأطباق الممتلئة وعلبة غازيات منها ووضعهم على طاولته وجلس ليأكل بنهم ، لثواني شعرت بأنني أتوهم ما قام به ، ولثواني أخرى أدركت أنني لم أتوهم شيئاً ، كنت أعتقد أنني وحدي من انتبهت لذلك ، نظرت إلي صديقتي التي تجلس بجانبي وهي تقاوم ألمها وحزنها مثلي ، ولزمنا الصمت بينما الثرثرة النسائية حولنا من باقي المجموعة مستمرة ، كنت أفكر ما الذي يدفع رجلاً مثل هذا إلى أن يذل نفسه ويأكل من بقايا الآخرين ويعرض نفسه للسخرية والشفقة ؟!  ، ما هي ظروفه وهمومه ؟! ، أليس مؤلماً أن يكون عربياً مسلماً يدفعه الجوع إلى أن يلتقط بقايا الآخرين ؟!! ، أية صدفة جعلتنا نتناقش في رفاهية عن معرض المجوهرات بينما على الطرف الآخر جائعاً لا يجد لقمة يسد بها جوعه ؟!! ، يال قسوة هذه الحياة أناس تتفاخر بما لديها من مجوهرات ونعم وتعرضها في سرور وأناس تعرض أوجاعها في حزن ، فكرت يا ترى هل هناك مثله ؟ بالتأكيد ، لا مجال للشك في ذلك وخصوصاً وأننا نعيش غلاءً مسعوراً أتى على المساكين والفقراء والبسطاء دون غيرهم ، كل شيء التهب سعره ، العقارات ، المواد الغذائية ، الترفيهية ، لم يتبقى شيء ، لقد غرق من غرق ونجا من نجا ، لا أعلم لماذا تذكرت أبو محمد ، وهو رجل عربي من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن مواليد الدوحة يعاني من بطء في الاستيعاب ولكنه معافى جسدياً ، وهو يحدثني عن ظروفه الصعبة وأنه لم يترك مكاناً إلا وبحث فيه عن عمل دون فائدة ، وأنه متزوج ولديه طفل ينام يوماً جائعاً ويوماً لا ولولا المساعدات الضعيفة جداً التي يجدها من أهل الخير ، وإلا لكان قد قضى هو وأسرته منذ زمن .يا ترى هل نتحمل جميعنا إثم هؤلاء المساكين الذين يعيشون معنا وبيننا في ذات الأرض ويعانون الجوع والفقر، ونحن لا نعلم عنهم ، أو نهتم لهم ، أو نسأل عنهم ؟، من سيكون مسؤول عنهم أمام الله يوم القيامة ، عندما يسألنا الله عن بطن صرخت من جوعها في ليلة بائسة، عن دمعة سقطت في لحظة قهر وشكت إلى الله بجملة واحدة حسبي الله ونعم الوكيل لأنها لم تستطع أمرا؟ ، يا ترى كم عدد هؤلاء في قطر ، هل هم كثر أم قلة ؟! ، لماذا نركز مساعداتنا الخارجية أكثر من الداخلية ؟ لماذا خيرنا ليس لنا ؟ ، يا ترى ماهي مدى فاعلية الجمعيات الخيرية في الوطن ؟ أسئلة تبحث عن التفكير بها قبل الإجابة عنها .


                                                                                                   رجوع