|
|
الاختلاط
في حديث ودي جرى بيني وبين إحدى الصديقات المقربات إليّ التي تحمل فكرا نقياً وثقافة واسعة،اعترفت لي بأنها لأول مرة تقتنع بتخليها عن أحد آرائها التي كانت تظنها صحيحة، فلقد كانت لها نظرة تفاؤلية تجاه الحياة،تريد من خلالها تغيير بعض السلبيات الموجودة حولها في المجتمع،وكان الاختلاط إحداها، فالاختلاط أصبح هاجساً يؤرق الكثير من النساء القطريات،وأصبح حديث الكثير منهن في المجالس النسائية،إلا أن صديقتي هذه كانت تنظر إلى الموضوع بطريقة بسيطة وواعية جداً، حيث أنها مؤمنة بضرورة التجانس الاجتماعي بطريقة حضارية راقية،بشرط أن تكون وفق الإطار الإسلامي،وقد كنت أشاركها الرأي،حيث أصبحت الحياة الآن مختلفة وتحتاج إلى التخلي عن بعض الأمور السلبية التي تعيق مسار نهوض المجتمع القطري الحديث، فالاختلاط هو أحد الظواهر الاجتماعية التي بدأت تظهر جلياً،والتي لا بد من التعامل مع وجودها بطريقة واقعية وحضارية.
لقد اكتسحت المرأة مناطق العمل المحظورة بشجاعة واستطاعت أن تثبت نفسها وأن تقف على قدميها،وأن تشارك أخيها الرجل بناء الوطن،ولكن وبرغم هذا الاندماج الظاهري مازال هناك تخوف من كلا الطرفين في التعامل مع بعضهما البعض وبالأخص من الجانب الأنثوي اللائي ينتمين إلى محيط محافظ يرفض الاختلاط،فالرجل والمرأة من الطبيعي أن يتوقفا عند نقاط معينة لا يستطيعان من خلالها التواصل التلقائي دون تكلف أو حرج،وذلك لأسباب اجتماعية متوارثة خلقت جداراً لا يسهل إزاحته،لذلك لا نستطيع أن نقول أن الاختلاط سهل، فهو يحتاج إلى وقت ليس بالهين للتعود على قيامه،وكلامي هذا ليس معناه أنني مع الاختلاط أو حتى صديقتي،بل على العكس،ولكن كونه واقعاً أصبحنا نعيشه علينا أن نعرف كيف نتعامل معه لا أن نهرب منه وأن نخافه.
هناك سؤال كثيرا ما كان يدور بفكري،لماذا أغلب الرجال والنساء في مجتمعنا عندما يتعاملون مع بعضهم في خارج إطار العائلة والقرابة لا يستطيعون الخروج عن النظرة التي لا تتغير أبدا؟،فالرجل ينظر إلى المرأة الغريبة (مع احترامي لجميع إخوتي الرجال) كفريسة يحاول اصطيادها أو استمالتها (بأي مصطلح لا يهم)،والمرأة تنظر للرجل الغريب عنها دائماً بمنظار البحث عن الزوج أو الحبيب أو حتى اصطياد (صيدة) سمينة؟،لماذا لا تكون هناك بساطة وشفافية في التعامل دون الجنوح إلى الألوان الداكنة؟،لماذا يصر البعض الخروج عن نطاق العمل ويفسد آليته في سبيل أهوائه غير المسؤلة في أحيان كثيرة؟،أعتقد أن هناك شرخاً كبيراً بين المرأة والرجل سواء أكانا قريبين أم بعيدين،والدليل فشل الكثير من العلاقات الأسرية والاجتماعية التي وإن بدت ناجحة خارجياً فهي فاشلة أو لنقل باردة وفاترة وروتينية داخلياً،لأن كل طرف لا يعرف من هو الطرف الآخر،حيث يجهل كل منهما طبيعة الآخر ونفسيته وتكوينه وبالتالي حقوقه الكاملة،والسبب الرئيسي هو الثقافة التي يتشربها الفرد من بيئته والمحيط الذي حوله،فمجتمعاتنا التي لا تؤمن أو لا تهتم بفكرة الحوار الأسري،خلقت فجوة عملاقة سببها الخوف من الوقوع في الخطأ ولقنت أفرادها ذلك بطريقة سلبية جداً في بعض الأسر،مما سبب اندفاعاً سلبياً اتجاه الطرف الآخر،إن ديننا الإسلامي وضع النهج السليم في التعاملات الإنسانية ووضع القواعد التي تسهل التواصل بطريقة راقية من خلال اللبنة الأولى وهي الأسرة ولكننا (نحن) من تعامل مع هذا النهج بطريقتنا نحن.
بقيت لي سطور..
هناك الكثير من الشباب والفتيات القطريين يتعاملون مع الاختلاط بطريقة راقية ومحترمة جداً نابعة من أخلاقهم وثقافتهم الاجتماعية الواعية،وقد لاحظت ذلك شخصياً،ولكن لا بد من القيام بدورات توعوية وتثقيفية في إطار المدارس والمراكز التعليمية والإعلامية وحتى المؤسسات الحكومية لكيفية التعامل والاندماج والتكيف بطريقة سليمة طالما أن الاختلاط أصبح (شراً لا بد منه).