جريدة الوطن القطرية  -  نافذة على الوطن            الحياة تكون أجمل بهم

 

                                                                                                    

الحياة تكون أجمل بهم

 

لا أعلم لماذا لم أستطع أن أبعد عيناي عن وجهها الطفولي الجميل أو أن أخفف اهتمامي بتحركاتها القليلة جداً..كانت هادئة تجلس بصمت على كرسيها المتحرك وهي تتابع بشغف كل ما يجري حولها من نشاط طلابي على المسرح، تملأ وجهها ابتسامة لطيفة يسكوها شيء من الحزن والانكسار لم يظهر على محياها جلياً ولكني استشعرته،لا أعلم ما الذي قيدني لحظتها ومنعني من الكلام معها ربما لأنني أعرف بأنني لن أحتمل ذلك الحزن الذي يشع من عينيها الناعستين..كان من حسن حظي أن معلمتها الخاصة تجلس معي على ذات الطاولة..سألتها بعد أن تخطينا بوابة التعارف الروتينية ..كيف ترى طالباتها بعد مرور هذه الفترة من قرار دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع أقرانهم الأسوياء في بعض المدارس وكيف تقيّيم هذه التجربة..؟ أجابتني بتفاؤل بعث في داخلي اشراقة صححت مسار الحزن الذي عرقل تفكيري..وقالت: بكل صدق إن هذا الدمج له من الإيجابيات ما كانت تفوق حتى تصوراتنا نحن كمعلمات..فأنا وكوني أخصائية نفسية تابعت عن قرب مدى التأثير الإيجابي الذي جعل على الأقل طالباتي يخرجن من الدائرة المحيطة بهن إلى دائرة أكثر اتساعاً من خلال المدرسة لأنها هيئت لهن الخطوة الأولى في التعامل مع المجتمع ،فهي الإطار المصغر لمجتمع أكبر لذا كان من الضروري جداً أن يشعروا بأنهم لا يختلفون عن غيرهم فهم يشاركون في كل النشاطات والفعاليات التي تقوم بها المدرسة و الأجمل أنهم متواصلين بشكل جيد مع أقرانهم دون أن تقف الإعاقة حاجزاً لهم،تابعت حديثها: ربما هناك بعض المشاعر الصعبة التي لا يمكن تجاوزها بالنسبة لهم وبالأخص من يمتلكون حساسية مفرطة من وضعهم حيث أنه لا بد من أن تأخذهم أفكارهم البريئة إلى أنهم غير كاملين وفي موضع شفقة ولا يستطيعون اللهو واللعب كما هو حال أقرانهم وهنا دورنا نحن كمعلمات علينا أن نساعدهم في التخلص من هذه النظرة السلبية وأن نمدهم بوابل الأمل وأن ننتبه بضمير وصدق لتصرفاتهم ومشاعرهم كي نذلل أي عقبة قد تقف في سبيل دمجهم في المجتمع..سألتها : كيف ترين تقبل الأسر التي لديها أفراد من هذه الفئة..؟ قالت: هناك تفاوت نسبي بين كل أسرة وأخرى ولكن الحمدلله الأكثرية منهم إيجابية ولكن بحق أكثر ما يُحزن ويؤلم هو إنكار بعض الأسر لوجودهم حيث يقومون بطمرهم نفسياً واجتماعياً خجلاً وخوفاً من أن يعلم الناس أن  لديهم فرداً غير معافى وذلك لعدة أسباب أغلبها أسباب غير منطقية وغير إنسانية وتدل على الجهل وقل الوعي.. أثناء حديثها فكرت كيف ستتعامل هذه الأسر مع موضوع المسح الإحصائي الشامل الذي سيقوم به المجلس الأعلى لشؤون الأسرة لمعرفة حجم وانتشار الإعاقة في دولة قطر من حيث النوع، الأسباب والدرجة،وذلك من أجل إحصاء هذه الفئة رقيماً، ومن ثم وضع الخطط المناسبة المبنية على نهج سليم لتقويم وضع ذوي الاحتياجات الخاصة في الدولة وتوفير الميزانية التي تخصص لهم ومن ثم الاهتمام بالخطط التعليمية والمهنية وغيرها.. كم تمنيت أن لا تقف هذه الأسر عائقاً أو أن لا تؤثر سلباً في سبيل تقديم الأفضل لأبنائهم وتأمين الحقوق الإنسانية لهم..ففي النهاية الفائدة العامة ستعود عليهم وعلى أبنائهم من خلال وضع الخطط المستقبلية التي تكفل لهم التعليم والرعاية الصحية والإعانة وكثيراً من الأمور التي ستساهم بشكل كبير في شعورهم بالمساواة مع باقي المواطنين.. فقبل أن تكون المشاركة في هذا المسح واجباً وطنياً هي واجباً دينياً وإنسانياً من المهم بل من الضروري منحه لهم لأنهم بشر مثلنا بل وربما أفضل منا.

 

بقيت لي سطور ..

العجز الحقيقي دائماً بنظري ليس أن لا تفقد جزء من مهماً من جسدك أو عقلك بل هو أن تفقد جزء من إنسانيتك،فما أكثرهم من يمتلكون الصحة والعافية ولكنهم لا يشبهون البشر..

 

 13/1/2007

                                                                                رجوع