جريدة الوطن القطرية  -  جـرعة حبـر   شباب على دكة الإحباط

                                        

شباب على دكة الإحباط

 

لم تعد الحياة بسيطة كالسابق ولم يعد الإنسان هو ذلك البسيط الذي يكفيه من حياته زاد يومه وصلاته، أصبحت الحياة أكثر تعقيداً والبشر أكثر هموماً ومتطلبات، ومع ذلك ماضية الحياة شئنا أم أبينا، لذا نحاول أن نتدارك فيها شيء ما  ربما يسعدنا ، يريحنا ، يمتعنا  بسرعة، وأحياناً بدون تركيز ، نركض للوصول إلى الأطراف منها، على أمل أن نشعر بمتعة الحياة ، نجتهد لنفوز بأي شيء ولو كان صغيراً، فهذا الزمن اختلفت فيه معايير كثير من الأشياء وبات الإنسان فيه محاصر ومربوط في زوايا ضيقة وعليه إما أن يتجاوب معها وإما أن يختنق فيها.

وربما الشباب هم أكثر الفئات التي تناضل لمقاومة هذا الضيق الذي حاصرتهم بها ظروف الحياة ومنها هذا الغلاء المسعور ،فأصبحوا مقاومين بلا قضية كونهم في مرحلة التكوين، تكوين المستقبل الذي يتطلب جهاداً وعناءً من أجل بنائه، أو على الأقل من أجل مد الطرق للوصول إليه.

يعتري العديد منهم القلق والخوف من الغد فما أن يوشك على الانتهاء من الدراسة وإرهاقها حتى يفكر في المستقبل، أي الوظائف مناسبة له ؟ ومتى سيجدها ؟ وكيف سيصل إليها؟ ومن هنا تبدأ حكايته من الواسطات ومشوار البحث عن تذكرة عبور لأي وظيفة جيدة، ناهيك عن تقديم التوسلات، لأنه إن لم يفعل سينتظر في محطة (أوراقك عندنا وبنتصل فيك) سنوات تضيع عليه حماسه وآماله، ومن ثم يفكر تلقائياً في الزواج والاستقرار وبناء أسرته الصغيرة ، متى سيتزوج ومن وكيف سيتزوج ؟ ويدخل في دائرة أخرى يعاني منها أغلب الشباب القطري السلفيات والقروض والديون الكبيرة التي يورط بها نفسه عند بداية أهم مرحلة من حياته والتي تحتاج إلى الشعور بالراحة والهدوء والأمان، وبما أن هناك الكثير منهم لم يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب ولم يستطع أهاليهم إلا إحسان تربيتهم دون أن تساعدهم الحياة في امتلاك الأرصدة والعقارات، يضع العديد منهم الأمل على الوظيفة فيضغطون على أنفسهم مع شعورهم بالحسرة ويرهقون أكتافهم بتحمل ديون يرون أنها ضرورية لشراء سيارة ودفع تكاليف الزواج المكلفة جداً والتي تستنزف لاستيفائها سنوات طويلة، إضافة لبعض الكماليات التي تهواها النفس البشرية، وللأسف بعض الشباب لا يملكون وعياً كافياً ولا تخطيطاً سليماً فيغرقون أنفسهم في الديون من أجلها، أحياناً لا أستطيع أن ألومهم فهم كالطيور تحلم بأن تعانق مساحات الأرض الشاسعة وهي تجمع بعينيها المدى، يرغبون في كل شيء من واقع التجريب وفورة الشباب المتعطش لإشباع فضوله ورغباته، فلا أحد يستطيع الحكم عليهم ولا مطالبتهم بتقييد أحلامهم ومتطلباتهم ولو كانت سخيفة أو سطحية في نظر البعض، تظل هي رغبات صنعتها البيئة المحيطة بهم .

عديد من الشباب تخطو الثلاثين عاماً ومازالوا يحاولون تكوين أنفسهم، بعضهم أصابهم الإحباط فثبطوا وبعضهم مازالوا يحاولون، فالكثير منهم وبالأخص ممن لم تساعدهم الحياة في إكمال تعليمهم والحصول على مؤهلات تجعلهم يجدون الخيارات الأفضل يعيشون عند أسرهم على دكة الإحباط الانتظار، انتظار المعجزة، الفرج، المساعدة، أي شيء قد يخرجهم من دائرة إلى أخرى، ولكن المعجزات لا تأتي للبعض وإن أتت فهي نصف المشوار لأن  النصف الآخر على الشاب أن يخلقه لنفسه، فالدولة تحاول أن تحل مشاكلهم بالزيادة و(آمل أن تكون هناك زيادات قريبة) والعلاوات والتأهيل وفتح فرص العمل، وإتباع سياسيات جديدة جيدة أهمها عملية التقطير، ولكنها لن توزع المعونات دائماً، لذا على الشاب أن يحاول صنع خياراته، عليه أن يغامر، أن يطرق الأبواب بالتجريب والمحاولة، أن يتجه للعمل الخاص ويحاول أن لا يعتمد على الوظيفة والدولة في الحصول على تحقيق متطلباته، حتماً ستكون هناك إخفاقات، وعثرات ولحظات فشل مؤلمة ستقف في وجهه ولكن مع الإرادة والرغبة في الوصول واختيار الوسائل الأفضل، واستخدام العقل واستغلال الفرص حتماً ستكون هناك نتيجة ما.

هناك إحباط تمكن من البعض من الشباب لأنهم لم يجدوا الطريق ولا الضوء الذي يرشدهم إليه ، كثير منهم استسلم وقبل بأن تكون حياته روتين وظيفي وأقساط سيارة، ولو كانت هناك حسرة تضيق بها صدورهم التي تحن لتكوين أسرة .

 

آخر الجرعة..

 أعتقد أننا نحتاج لإقامة دراسة عاجلة نجمع فيها الأسباب ونحاول تحليلها واقتراح الحلول المناسبة لها، فهؤلاء الشباب هم أجمل وأثمن ما يمتلكه الوطن.

                                                                                           رجوع