|
|
مسكين هذا المواطن المحموم بداء الحلم
يبدوا أن الأحلام هي المسكنات الجديدة التي بدأ يستخدمها القطريون ، لينسوا ولو قليلاً واقع الغلاء الصعب الذي تشهده الدولة، والذي زحف بشكل مخيف تحت غطاء التطور والانفتاح الإقتصادي ، حتى بدأ يرعب أصحاب الجيوب المتواضعة الذين لا حول لهم ولا قوة ، سوى مسايرة الواقع قدر الإمكان والتشقف حتى يُنزل الله الفرج من السماء ، فالحلم ولو كان وهماً على الأقل هو أفضل من الأمل في (كلمة مسؤول) ، الأحلام تساعده في تمرير ليلة دون التفكير في أجندة الديون والقروض والبناء ومتطلبات الأولاد والحياة ومن ثم دون الحاجة لحبوب منومة تسكن رأسه من التفكير والأرق.
والملاحظ في تآلف غير مقصود و تطور ربما هو طبيعي بدأت هذه الأحلام تستحوذ على التجمعات في كل مكان ، فأين ما تذهب تسمع نفس الحديث ونفس الأحلام و نفس الشائعات ، الجميع يئن همومه ويشتكيها ويتفلسف فيها لدرجة التنظر والغور في كل المجالات ،في هذا الوضع المعيشي الصعب أصبح الجميع يقرأ ويناقش في الإقتصاد والتعليم والسياسة والإعلام الخ ، لأنه أصبح يعيش على الترقب والبحث عن الحلول ، الجميع لديه وجهة نظر ، والجميع يبحث عن حل في إطاره البسيط وكلٍ بطريقته ، (مسكين) هذا المواطن المحموم بداء الحلم والفضفضة.
منذ فترة ونحن نسمع عن زيادة الرواتب و ضبط الأسعار والحل في إرتفاع الإيجارات وشراء العقارات ، ومنذ فترة ونحن نحاول أن نقنع أنفسنا أنها فترة مؤقتة ستحل تعقيداتها قريباً ولكن هناك من لم يستطيعوا خداع أنفسهم وأحوالهم التي تقف على حافة الهاوية.
إن عجلة التضخم تسير كل يوم إلى الأمام دون توقف لأن هناك مسببات قوية لها تجبرها على التدحرج على أكتاف المواطنين والمقيمين ولعل أهمها المشاريع الضخمة لتغير البنية التحتية للدولة ، وتفاقم عدد الشركات العقارية الاستثمارية الخاصة و المساهمة التي وضعت مشاريع أكبر من أن تستوعبها قطر سكانياً ، وارتفاع أسعار النفط والمنتجات البتروكيمائية ،وزيادة عدد السكان في فترة وجيزة إلى نسبة مرتفعة كردة فعل طبيعية لهذا التطور، وغير ذلك ، ولكن لابد أن يكون هناك حل وحل قوي يستطيع أن يضرب بقبضة من حديد على هذا الجنون الذي ارتفع عدد ضحاياه من الضعفاء.
قد تكون زيادة الرواتب إحدى الحلول ولكنها ليس بأفضلها إذا لم تكن تشمل القطاعات الخاصة،و إذا لم تكن هناك موازنة وضبط ودراسة وتحليل تطرح على إثرها الحلول الناجعة ، لأن في المقابل سيكون هناك استغلال من قبل التجار وسنخرج من دائرة النار إلى اللهب في ترادف طبيعي . إن الامتعاض الذي يشعر به الكثيرون والذين أصبحوا ينفسون عنه في تجمعاتهم وإطلاقهم للشائعات ردة فعل لا يمكن تجاهلها،لأنها وإن أتت من حلم أو ثرثرة هي خلاصة واقع صعب يحمل المعاناة والألم والقلق والخوف.
في آخر جرعة حبر..
الجانب الإنساني أكثر ما يهمني في هذا الموضوع ، لأنه الجانب الأكثر إيلاماً والأكثر خسارة، فاليوم وفي رعاية هذا الغلاء الفاحش من يستطيع بناء نفسه ومستقبله..؟! من يستطيع التمتع بعطائه وإنتاجه ، إذا كان همه الأكبر أن يوفر القليل من أجل الكثير؟! هي احباطات ستتوالى حتى تهد الأركان ، وعندها ستطور الأمور لنشهد مشاكل اجتماعية أخرى لم نكن نعرفها يوماً وكنا في غنى عنها ذات يوم ، وعندها سيكون همنا وقتها الإصلاح والمعالجة ، لا أتمنى أن يصل الحال بنا إلى ذلك ، ولكن لا يكفي التمني . ومن هنا وجب تدخل الحكومة لمعالجة التضخم للمحافظة على نمو الاقتصاد الوطني والمحافظة على سلامة المجتمع من توابع هذا الغلاء.