|
|
من يدفع المرأة إلى الكذب؟
من طباعي التي كثيراً ما كانت تضايق والداتي حفظها الله ، أنني أحب أن أحتفظ بكثير من الأشياء التي لي معها ارتباط ، كالدمى والكتب والأوراق وغيرها ، ولكن تظل هناك ذكريات عالقة في ذاكرتي لم أستطع حتى الآن أن أنساها ، لأن لها في قلبي مكاناً خاصاً ، وعندما أتتني الفرصة لاسترجاع إحداها سعدت كثيراً لذلك ، فمن الجميل أن تقف على أطلال الذكريات و تعيد بعضاً منها ولو لدقائق .
مع انشغال الجميع بامتحانات الثانوية العامة اصطحبت شقيقتي إلى مدرستها أقصد مدرستي
القديمة
التي حملت كثيراً من أحلامي وهمومي وضحكاتي وبداية الحياة الحقيقية نحو النجاح، لم
أجدها قد تغيرت كثيراً ، هي ذاتها نفس الجدران والصفوف وربما الكراسي أيضاً ، تأملت
كل جزء
أثناء سيري بهدوء بين أروقتها ، وحاولت خلال ذلك أن أجمع ما أستطيع جمعه من
الذكريات ، وكان من
الجميل أن ألتقي ببعض الوجوه التي عرفتها والتي لم تتغير كثيراً فما زالت كما هي
تناضل من أجل الحصول فقط على كمشة من الهواء بعيداً عن البيت ، صافحتني إحدى
الزميلات السابقات بحرارة وحيتني بشوق ولطف وبادلتها بالمثل ، انزوينا لنتجاذب
أطراف الحديث ريثما تنتهي شقيقتي من موضوعها مع الإدارة ، سألتها عن أحوالها
وأمورها وعرفت من ابتسامتها أن سؤالي لم يرق لها كثيراً ، وأجابتني بكلمة واحدة
:
(عادي) ، فهمت أنها لا تريدني أن أتابع ، وطبعاً كوني وللأسف لا أمتلك موهبة فهم
النفس
البشرية من النظرة الأولى سألتها سؤال آخر ولكن بطريقة ظريفة نوعاً ما كي أتهرب من
السد الذي أقامته حولها ، ومتى ستتخرجين من
الثانوية..؟ ، أطرقت بعينيها الأرض وهي تقول : لن أتخرج ، سألتها لماذا هل تجدين
صعوبة في المواد الدراسية ؟!! قالت: لا ، هنا بدأت كثير من الاستفهامات تلوح لي
، فسألتها بعد أن فكرت قليلاً في صيغة السؤال كيف ستكون : وما الذي ينقصك كي
تتخرجي
من هنا، ألا تتطمحين إلى دخول الجامعة أو العمل بالشهادة الثانوية؟!! ، رفعت نظرها
إلي وقالت وهي تحاول كبح دموعها التي رأيتها تلمع من بعيد :
كل شيء ، لم أستطع أن أخفي تأثري بتلك الدموع التي لم أعهدها في شخصية مرحة جداً ،
وسألتها من جديد : كيف كل شيء..؟!! قالت وهي تكابر كي لا تسقط أي دمعة : تنقصني
الحياة ، ينقصني أن أكون أنا كما أريد ، صمتت قليلاً ثم تابعت حديثها : ثلاث
سنوات وأنا أتعمد الرسوب والبقاء في المدرسة كي لا أتخرج ، لا أنكر وقتها أنني
استغربت جداً جملتها هذه ولكني لم أظهر ذلك لها ، واكتفيت بسؤال واحد .. لماذا
..؟!!!
أجابت : لقد جاهدت كثيراً كي يقبل أخوتي أن أكمل دراستي ووافقوا بشرط أن تكون
الثانوية هي آخر مرحلة وبعدها أقبع في البيت حتى أتزوج أو أن أموت ، والمدرسة
بالنسبة لي هي متنفسي الوحيد للخروج من المنزل وملاقاة الناس إذ أنني ممنوعة من
الخروج
من المنزل ومن استقبال الصديقات ، فقد كانت تمر علي شهوراً طويلة وأنا سجينة حيث
تشرق الشمس وتغيب وأنا في نفس الحال.. وآآآه كم عانيت كثيراً حتى أخيراً عدت
للمدرسة ولكن عند قرب كل امتحان كنت أصاب بحالة نفسية صعبة لأني أصبحت أفكر بأني
سأعود لذات السجن،لذا أصبحت أتعمد البقاء فيها قدر الإمكان
وظلت تتحدث
وتتحدث وأنا أسمع بإنصات وأحاول كبح شعوري كي لا أزيدها حزناً و أفكر كم هي صعبة
حياتها إذ أن منعها عن التعليم ليس إلا نقطة لما تعانيه في المنزل من اضطهاد كونها
فتاة ، فأخوتها الأربعة يمارسون ذكوريتهم عليها بقسوة وبتخلف لأنها لم تجد من
ينصفها منهم ويحميها ، ثم قالت : لقد وصلت إلى مرحلة نفسية صعبة ولا أعلم إذا خرجت
من المدرسة هل سأعيش أم أموت..؟!! وسقطت دموعها ولم تتوقف إلا بعد هدأتها وحاولت أن
أعيد إليها تلك الابتسامة التي عرفتها على وجهها الجميل
وعندما هممنا بالنهوض
استعداداً للوداع سقطت عباءتها عن كتفها لتنكشف لي عباءة أخرى .. ابتسمتُ وقلت لها
:
لماذا ترتدين عباءتين قالت كما تعلمين أن الجميع هنا يلبس عباءة تلبس على الكتف وهي
أسهل في التحرك والتنقل وطبعاً هي ممنوعة حتى الموت عند اخوتي رغم أني شرحت لهم
أنني أريد لبسها فقط في المدرسة ولكنهم رفضوا فاضطررت للكذب عليهم وأن ألبس واحدة
لهم وواحدة لي ، طبعاً دون علمهم ، وعلى فكرة ليست العباءة فقط..
وطبعاً كان
علي أن أخمن الباقي.. ودعتها وانصرفت وأنا أفكر .. من السبب .. هي أم هم
..؟!
لماذا يدفع الرجل المرأة للكذب عليه وعلى نفسها ؟!! ولم أجد إجابة سوى أنه
المجتمع الذي يتعامل مع المرأة و كأنها ليست ببشر مثلهم تستحق أن تعيش أن تتعلم أن
تعمل تستحق أن تكون انسانة على الأقل تشعر بنفسها وبوجودها .. ولكن كيف وهي في
حماية رجل ينظر لوجودها على أنه كارثة وآفة .. يمنعها باسم العيب من اللا عيب..
يضغط عليها بالتشدد والأوامر حتى تضل الطريق وبدلاً من أن تسير إلى الأمام تضيع في
جنبات الحياة يميناً ويساراً .. قد تكون هذه الزميلة سلمت ولم تقع في أخطاء أخرى
غير الكذب ولكن أليس هناك من تاهت وضلت وفكرت كيف تجد بعضاً من الهواء بطريقة خاطئة
..
طبعاً هن كثر والكثير منهن ضحايا المجتمع الذي يرأسه الرجل والبعض الآخر ضحايا
أنفسهن وجهلهن.. وتساءلت يا ترى أين زميلتي هذه من بين هاتين الفئتين .. ؟!!
بعد
مرور أكثر من أربعة أشهر اتصلت بي ودعتني إلى حفل زفافها من رجل يكبرها 30 عاماً..
ولم يكن هناك داع كي تقول لي أن زواجها أيضاً هو باب آخر للحصول على نافذة أخرى على
الحياة..
هذه الفتاة ليست إلا صورة مصغرة لصورة أكبر تحياها كثير من الفتيات
وانتهت الكثير منها بنهايات مؤلمة ومريرة وبعضها مازال حتى الآن يعاني و ينتظر
الموت
..
فاصلة أخيرة..
الضغط يولد الانفجار ويولد الانحراف
..
وإذا أرادت المرأة شيء لن تمنعها الحواجز
والحدود.