|
|
مازال الدم مستمراً
تك .. تك .. تزحف عقارب الساعة بتكاتها المملة على وجع ليلهم الطويل، وفي كل تقدم لها تستعد جحافل الألم والخوف والقلق لتتصارع مع ساعات لا تريد أن تنتهي وهموم لا ترغب أن تنجلي، ظلام دامس يسيطر على بيتهم المتهالك القابع في إحدى الشوارع المنسية في عالمنا المسلم الواسع ، ربما في فلسطين، في العراق، الصومال، أفغستان ، لا يهم أين ، فهم موجودون في كل مكان بأنفاس وأسماء مثبتة إلا في الضمير، هي لا تتشابه إلا في همها وحزنها وعذابها .
تفترش أم محمد وأطفالها الأرض عند إحدى الزوايا المجروحة يغالبهم الهدوء وهم يحاولون استدراج النوم، كيف يأتي، والجوع يصدر أصواته من بطون صغيرة، تستفزه، تخيفه، ترعبه،تستلقي وهي تحلم بقطعة شكولاته أولحسة عسل،لا بل كسرة خبز يابسة، ومستعدة لأن تقضي عمرها كله في ظلمة من أجل حفنة أمل أو حتى وهم ، ولكن لا حلوى ولا خبز، لا أمل، ولا أمان.
هذه صورة صغيرة لوجع كبير وحقيقي تعيشه أسر فقدت معيلها بل فقدت أكثر منه، الشعور بالأمان، صورة بسيطة لمعاناة قاسية ومريرة تتقاذف بأبرياء وتتلاعب بهم، في زمن الحرية وحقوق الإنسان، هذا الزمن الذي علّى فيه صوت الرصاص، وتحكمت به المصالح الدولية حتى أصبح الدم ماء، والحق هباء، وبات الظلم وباء، سرى و لم يتمكن إلا من الضعفاء، الذين هم دائماً من يدفعون ثمن التجارب والأخطاء الواضحة والمضببة أيضاً، أبرياء سقطوا ودفعوا دمائهم ثمناً لمصالح لا يعلمون ما شأنهم بها، ربما أحياناً هناك أمور صعب أن تُفهم، وإن كان الدم والموت أحد وسائل تعبيرها القاسية.
تنتحب غزة، وتحتضر العراق، وسموم الطغيان تنفث بلا هوادة لؤمها، والعالم يتابع في صمت، ما الذي حدث حتى رخصت الدماء إلى هذا الحد؟! ما الذي حدث حتى أصبح العربي أرخص من التراب؟! كثير منا لا يمتلك جواب، وبعضنا لديه كل الأجوبة.
أصبح الدم اليوم لغة يتحدث بها الضعف، والتطرف، المصالح، والمخططات، كلن يحاول سرقة الآخر، سرقة أرض،ماء،مال،لقمة، بترول، وطن، وكلن بسلاح مختلف،والضحية واحدة لا تتغير، أبرياء بلا ذنب .
هل سيفك الحصار عن غزة؟ ، حسناً متى سيفك؟! ، هل سيتوقف حمام الدم في بغداد؟! كيف سيتوقف؟!، هل سنقوم بشيء لهم ؟ بماذا سنقوم وكيف ومتى؟! ، هل سنظل دائماً نلحق الساعات الأخيرة من كل نهاية؟! إلى متى سنظل مترددين ، منددين، مستسلمين؟!، إلى متى سنظل نتناحر من أجل تفاهات لن تنتهي؟!
مؤلم جداً أن المساعدات العربية متدنية جداً، ومؤلم أكثر أن الصمت يغالب حكامنا، فلا موقف ولا كلمة، لا مساعدة ولا تحرك، سلبية، وجبن، تتحكم وتحكم.
آخر جرعة حبر..
ومع ذلك ما زال الأمل مستمراً لسبب واحد فقط لأنه سيكون معلقاً بالله ، ولو كان على البشر، لكنا قد انتهينا قبل أن نخرج إلى الحياة، فلتكن لنا كلمة، أو صوت، فلنتحرك، ولو بتقديم، 1% من ما نملك، على الأقل علينا أن نكفر عن آثامنا في حقهم.
أنا حزينة جداً..