|
|
فجوات
ربما بات على كل صاحب رأي وفكر أن يرفق مع مقالته شهادات ووثائق تثبت صلاحيته الوطنية والسلوكية والدينية ، طالما أنه سيكون متهم دائماً بالخروج عن أطر المجتمع التي طبعاً حدد أنظمتها (البشر) في كل رأيي يطرحه.
لقد طرحت مقالين الأسبوع الماضي وتصادف موضوعهما أن تكون المرأة سيدته ، وعلى إثرهما وردتني العديد من الرسائل التي وقفت أمام بعضها حائرة في كيفية إيصال الفكرة لهم ،وخصوصاً أنها كانت في المقالين واضحة جداً ولا تحتاج إلى كثير من التفسير ، ولكني مع ذلك وجدت نفسي مضطرة للرد وتبرير بعض النقاط كي لا أكون متهمة بالخروج عن الطابور الإجتماعي، ومن باب الإحترام لمن دفع نفسه لكتابة حرف واحد لي.
في الموضوع الأول (من الذي يدفع المرأة إلى الكذب؟) والذي تناول غلو بعض فئات المجتمع في فرض القيود على المرأة لدرجة سحق حقها الإنساني في العيش و حرمانها من التمتع بأبسط فرص الحياة من خلال قصة إحدى الأخوات ، وبالتالي دفعها إلى طرق سلوكيات خاطئة أولها الكذب من أجل اجتراع فسحة للتنفس ولو في الظلام، بينما الرجل القوام في ذات البيئة يمارس كل أشكال الإنحرافات الأخلاقية سرا ًوعلانية ويطبق نتائج إفرازاتها (بهمجية ، وتخلف ، وعنصرية ) باسم الدين والذكورة والعيب ، ويوافقه على ذلك المجتمع بأسره لأنه صاحب القوامة فقط ، ولا تجد المرأة في تلك البيئات إلا خيارات محدودة إما الصبر والعيش بسلبية على هامش الحياة وإما الدخول في دهاليز الكذب وفعل كل ما هو ممنوع في الخفاء وبعيداً عن العيون وهنا لا توجد ضمانات بالعودة إلى الطريق الصحيح من جديد لأنها حتماً سضل طريقها وتضيع وهي تتلمس الحياة وستحمل كل أخطائها معها علامات لا يمكن تجاهلها في بيئة لا تغفر ولا تعرف أن هناك أسباباً وحالات نفسية أخرجتها التعقيدات، بيئة لا تعرف أن هناك طرقاً أكثر سلامة وأكثر أماناً وراحة، ولكن هيهات لمن لا يسمع ولا يرى إلا نفسه ولا يعرف الحديث إلا بلغة السياط والمفتايح ، في زمن لم يعد يعترف بالرق والجواري ولا بالأبواب المؤصدة .
ألستم معي في ذلك إخوتي (سالم ، سعيد ، محمد) ، يامن وجهتم لي اتهاماتكم بأنني أحرض المرأة على الكذب والتمرد والعصيان على ((الرجل)) دققوا في ما بين الأقواس من فضلكم ، وتطالبوني بأن أتقِ الله في ما أكتب ، رغم أنني لم أكن أدعو إلا إلى لغة الحوار والتفاهم و التفهم وكشف العلل ، وكنت أحلل هذا الخلل الذي تعيشه عديد من الفتيات تحت مسميات مختلفة ابتكرها المجتمع وحاك ستائرها السوداء الرجل ليخفي جرائم إنسانية تتم في صمت وستر ، يا سادتي ألا نتقِ الله ونحن نحاول توعية المجتمع وفتح بصره ليرى أخطاءه ومن ثم يعالجها ؟! ألا نتقِ الله ونحن نحاول مد يد العون إليهن بدفعهن إلى التفكير في حياتهن بطريقة أكثر نضجاً وبعيداً عن امتهان الكذب على أنفسهن قبلك أنت كرجل ؟! ، ألا نتق الله ونحن نحاول اشعال إضاءة صغيرة في عتمة كبيرة لأرواح عيماء البصر والبصيرة؟! ، إلى متى ستظلون قصيري النظر ، ومحدودي الفكر، تنظرون إلى ما هو تحت أقدامكم فقط ، وتبررون لأخطائكم الآف الحجج بأسباب واهية جداً أبسطها القوامة والذكورة.
بالنسبة للموضوع الآخر وهو (الإختلاط) وهو مختلف تماماً في أسباب طرحه، كان رأيي واضحاً جداً فيه ، وتطرقت إلى أن الإختلاط أصبح واقعاً فرضته علينا النهضة الجديدة شئنا أم أبينا ، ومهما حاولنا رفضه هو موجود، وعلينا الآن أن نفكر في ما بعد ذلك ، طالما أن فرصنا في القرار ضعيفة إلاّ في ما يتعلق بأنفسنا ، أي من الممكن أن يكون هناك حل بأيدينا يبتدء منا نحن ، لذا علينا أن نفكر في كيفية تهيئ (الرجل والمرأة ) للتعامل مع بعضهما دون حساسيات وخوف ودون التضاد والتجاذب بطرق سلبية تؤثر في مسيرتهم المهنية والإنسانية ، فنحن وبرغم كل هذا الإندماج ما زلنا نعاني من قصور في نظرتنا لبعضنا كجنسين مختلفين ، لأن هناك حواجز تفصل بيننا في الفكر واللغة الحوارية و الثقة ، وإذا حاولنا القفز عليها علينا أن نخرج من النظرة السطحية لإختلافنا وأن نبحث في أشياء أخرى تجمعنا أهمها بناء المستقبل والنفس ، وطبعاً كل ذلك ونحن نحترم أنفسنا وديننا ، ولكن ومع كل الشرح الذي وضحته في مقالي السابق إلا أن هناك عقولاً قرأت سطوري وفق أفكارها هي ، وبناء عليها قاست أنني أدعو إلى التحرر،وتساءلت ما هي رتبة الدين في حياتي ومدى التزامي به وكثير من الكلام الذي جعلني أستوعب شيئاً واحداً أن هذه العقول لا تنظر إلى أبعد من النقطة التي تقف عليها، وأنها على استعداد أن تلبسني التهم من أجل أن تبقى الصورة في العلن جميلة ولو كانت من الخلف مليئة بالرقع ، المهم أن نرتدي الألوان البيضاء ولو كنا مشوهين من الداخل.
آخر الجرعة..
إذا لم نلحظ هذه الفجوات الصغيرة المنتشرة بين ثنايا المجتمع ولم نحاول أن نخيطها بوعي وانتباه ، علينا أن نستعد إلى النهاية المعروفة ، وعندها لو تشابكت أيدينا لسدها لن تكفيها محاولاتنا، لأنها ستتسع وستكشفنا وستكشف فداحة أخطائنا.